انتخابات الكنيست وتشريح المعطيات

0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

علي بدوان

يتوقع أن تكون العملية الانتخابية للكنيست “الإسرائيلي” الواحد والعشرين محتدمة جدا هذه المرة، فكل القوائم المطروحة باتت على درجة عالية من الاستعداد لخوض غمار الانتخابات التشريعية في ظل انقسام حاد للقوائم الانتخابية بين أربعة معسكرات:
المعسكر الأول: يتمثّل بقوى اليمين وعلى رأسه حزب الليكود بقيادة نتنياهو. ومعه مجموعات يمينية صغيرة، لكنها فعالة داخل أوساط المستوطنين في مستعمرات الضفة الغربية.
والمعسكر الثاني يتمثل بـ”المعسكر الصهيوني” أو مجموعات ما يسمى بــ”اليسار الصهيوني” بقيادة حزب العمل وحزب ميرتس.
والمعسكر الثالث: يضم تلاوين مختلفة بقيادة رئيس الأركان السابق بيني جانتس وقائمته (مناعة إسرائيل) ومعه حليفة تومي لبيد زعيم حزب يوجد مستقبل (يش عتيد)، وهو المعسكر المسمى بــ(أزرق أبيض).
والمعسكر الرابع: يتمثّل بالحالة العربية الفلسطينية داخل “إسرائيل”، وهي الحالة المنقسمة أيضا تجاه موضوع الانتخابات التشريعية، بعد أن تفككت القائمة المشتركة السابقة، وأصبحت قائمتين: قائمة تضم (التجمع الوطني الديمقراطي والحركة الإسلامية الشمالية)، وقائمة تضم الحركة الوطنية للتغيير (قائمة الدكتور أحمد الطيبي) وقائمة الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة المقربة من حزب (راكاح) ذي الأغلبية العربية.
هذا، عدا عن وجود انقسام آخر داخل معسكر اليمين بين الليكود ومجموعة اليمين الجديد، بقيادة نفتالي بينت وأييلت شكيد، والذي يضم أحزاب: الاتحاد القومي والبيت اليهودي ويهوديت هاتوراه وحزب القوة اليهودية (المنتمي إلى حركة كهانا)، تلك المجموعات التي تضم في قائمة مرشحيها زبدة وغلاة المتطرفين مثل ألونا بركات، والكولونيل متان كهانا، وعضو الكنيست شولي رفائيلي… ومن بين تلك المجموعة يتربع الآن حزب حركة اليمين المتطرف المسمى (قائمة القوة اليهودية) وهو حزب جديد، وقائمته تشارك لأول مرة بالانتخابات التشريعية، وتعود طروحات تلك القائمة لحركة الحاخام المتطرف مائير كهانا، الذي قُتِلَ قبل سنوات طويلة في الولايات المتحدة، وتتميز تلك الحركة (القوة اليهودية) بغلوها الكبير وشعاراتها المتطرفة لدرجة أن منظمة اليهود الأميركيين (الإيباك) طالبت باستبعادها من العملية الانتخابية للكنيست، وقد قوبل سلوك نتنياهو بالتقرب من تلك المجموعة (قائمة القوة اليهودية) بمعارضة قوية حتى في صفوف قدامى النشطاء حتى في حزبه الليكود، وبشجب شديد اللهجة من قبل كبار الجالية اليهودية الأميركية الذين اعتبروا خطوة نتنياهو هذه بمثابة “انحطاط جديد”. تلك القائمة التي أعلنت أن شعارها هو: “يهودي إسرائيلي يميني” وغرد مرشحوها على تويتر بعبارات واضحة تعكس رؤيتهم الفكرية والسياسية: “نحن يهود إسرائيليون ويمينيون، نحن مرتبطون بجذورنا وبتوراة إسرائيل، بشعب إسرائيل وأرض إسرائيل. نحن متدينون، تقليديون وعلمانيون. نحن سنوحد ونحن سننتصر، نحن اليمين الجديد، تعالوا معنا”.
وهكذا، فالقوائم الانتخابية تتزاحم الآن في ساحة الانتخابات التشريعية “الإسرائيلية”، في مشهد ستكون نتائجه على درجة عالية من المفارقات، التي قد تطيح على الأرجح بالحكومة الائتلافية لليكود، وبشخص بنيامين نتنياهو، مقابل صعود نجم قائمة (أزرق أبيض) بقيادة الجنرال بيني جانتس (مناعة إسرائيل) وتومي لبيد (يش عتيد). والمتوقع لها أن تتولى تشكيل الائتلاف الحكومي الجديد، وفق نتائج استطلاعات الرأي الأخيرة المنشورة على صفحات المطبوعات العبرية اليومية.
وفي هذه الأثناء، إن نتنياهو الذي باتت ترتعد فرائضه خشية من القائمة الكبرى المنافسه الأساسية له، تلك القائمة التي شكّلها الجنرال بيني جانتس وحزبه (مناعة إسرائيل) بالتحالف مع تومي لبيد وحزبه (يش عتيد)، دفعته لخوض مفاوضات مع قوى اليمين واليمين المتطرف، ومنها قائمة اليمين الجديد، لأخذ تعهد منها بعدم التحالف الائتلافي اللاحق بعد إعلان نتائج الانتخابات لتشكيل أي حكومة ائتلافية مع مجموعة الجنرال بيني جانتس (مناعة إسرائيل) وتومي لبيد (يش عتيد).
وفي هذا المقام، تشير بعض المعلومات المسربة بأن نتنياهو عمل على إغراء تلك الأحزاب بوعود براقة، ومنها توقيع اتفاق بينه وبين حزب البيت اليهودي تعطيه حقيبتي التعليم والإسكان في الحكومة القادمة، ومقعدين في مجلس الوزراء السياسي والأمني، حال استطاع الليكود تشكيل الحكومة الائتلافية القادمة.
في هذا السياق، يحاول حزب العمل الإسرائيلي، وهو الحزب التاريخي المؤسس لدولة “إسرائيل”، والذي خاض جميع حروبها تقريبا، يحاول أن يعود للأضواء بعد التراجع والتهلهل الذي أصابه خلال العقدين الماضيين، فبدا زعيمه (آفي جباي) بالترويج لشعارات ومواقف مقبولة لدى الأوروبيين والأميركيين، وعند قطاعات من الجمهور “الإسرائيلي” كالحديث عن رؤية ومصالح “إسرائيل” بالانفصال عن الفلسطينيين في الضفة الغربية خشية على “يهودية الدولة”، وخشية من خيار الدولة الواحدة التي تجمع العرب واليهود على كامل أرض فلسطين التاريخية، من خلال تبني حل إقليمي لدول الجوار ومن خلال حل الدولتين. ومع هذا فحظوظ حزب العمل تبقى متواضعة في الانتخابات المتوقعة، كما تُشير استطلاعات الرأي، وقد يحصل في أحسن الأحوال على عشرة نواب من أصل 120 نائبا يشكّلون العدد الكلي للنواب في الكنيست.
بالنتيجة، نحن أمام معركة “إسرائيلية”، وأمام تحوّلات داخلية في “إسرائيل” ذات مضمون سياسي، وقد تقلب كل المعطيات رأسا على عقب، وتطيح بقوى اليمين، التي همّشت مسارات عملية التسوية مع الفلسطينيين، واتبعت تكتيك إضاعة الوقت وتمريره، واستغلال ذلك لفرض المزيد من الوقائع الاستيطانية والتهويدية، خصوصا في منطقة القدس ومحيطها.
علي بدوان
كاتب فلسطيني
دمشق ـ اليرموك

أخبار ذات صلة

0 تعليق