الأدب في خدمة الإنسانية

الوطن (عمان) 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

لم يكن فوز الكاتبة والروائية اللبنانية هدى بركات بالجائزة العالمية للرواية العربية، البوكر 2019، عن رواية “بريد الليل” قبل أيام سوى دليل جديد واعتراف متجدد باستحقاق الأدب الذي يخدم الإنسانية ويدعم قيمها وينشر قضاياها بين القراء ـــ للجوائز والتكريم الرسمي والشعبي.
هذا التكريم ليس نابعا فقط من كونه أدبا يدعم القيم الإنسانية ويعلي من شأن الإنسان في ظل عالم تُنتهك فيه كرامة الإنسان، بل وتسلب فيه روحه إذا كان ضعيفا أو منبوذا، ولكن أيضا لأن هذا الأدب دائما ما يتسم بالأصالة والجودة لأن أصحابه لا ينزلقون إلى مغازلة رغبات قطاع عريض من القراء بتقديم قصص مشوقة غير واقعية أو مرعبة أو مثيرة، بل يعمدون إلى تقديم نصهم بأسلوب رصين محكم موصل للفكرة والرسالة دون ابتذال أو تملق.
لقد قدمت هدى بركات من خلال خمس رسائل مختلفة حكايات قاسية لمهاجرين ومنبوذين ومنفيين من مجتمعاتهم، حيث نقرأ في الرسالة الأولى عن علاقة الحب الملتبسة بين رجلٍ وامرأة، حيث حكى الرجل لحبيبته عن فقدانه أي صلة بأهله بسبب الحرب وعن إقامته في غرفة معتمة في المهجر لا يغادرها أبدًا لأنه يعاني من جنون ارتياب أن أحدًا من المخابرات الحربية يراقبه دائمًا، ثم في الرسالة الثانية امرأة تكتب لحبيبها الذي فرّق بينهم الدهر، وفي الثالثة ابنٌ يحكي لأمه كيف تغيّر حاله بعد أن تم اعتقاله ويعترف لها بجرائمه التي ارتكبها، والرابعة عن شخص منبوذ يكتب لأبيه الذي كان يصفه دائما بأنه “خنثى” لأنه ضعيف وجبان، أما الأخيرة فهي رسالة أخت لأخيها تحكي له عن مغادرتها لبيت العائلة بعد الطلاق وقرارها بترك ابنتها والفرار عن طريق البحر هربًا إلى واقع وجدته أسوأ بكثير مما كانت تحيا فيه.
وجميع هذه الرسائل نرى فيها تأثير حروب وصراعات الشرق الأوسط، فضلا عن القتل والجهل المنتشر بالمنطقة، حيث نجد أن أبطال الرسائل قد عاش أغلبهم حروبا أهلية أو صراعات أليمة تشوه الإنسانية، وتدفع الإنسان لاختيارات ما كان ليقترب منها في ظل ظروفه الطبيعية.
كانت قد أعلنت بركات التي ولدت عام 1952 في بيروت وتخصصت في الأدب المعاصر وانتقلت إلى فرنسا منذ بداية حياتها، في حوارها مع موقع جائزة البوكر قبل فوزها بالجائزة أن ما دفعها لصياغة الرواية بشكلها الأخير كان “نفاذ مشاهد المهاجرين الهاربين من بلدانهم إلى المستقلين قوارب الموت ولا يريد العالم النظر إليهم .. هؤلاء المشردون في الأرض في حين رحنا نكتشف تراجع البعد الإنساني، ككتلة غير مرغوب فيها أو كفيروس يهدد الحضارة لتلك الحضارة وتحصن القوميات بإقفال الأبواب. هذا لا يعني أني أريد للبلدان الغربية أن يشرعوا الحدود أو النظر إلى هؤلاء كملائكة. أردت فقط الإنصات إلى حيوات تهيم في صحراء هذا العالم”.
ونجد أن بركات قد استطاعت بالفعل من خلال هذه الرواية أن تجسد معاناة هؤلاء البشر، وأن ترسم لهم صورة تقرب ما يشعرون به من آلام وضياع وتهميش ونبذ من قبل العالم الحالي.
لقد اختيرت رواية “بريد الليل” من قبل لجنة التحكيم باعتبارها أفضل عمل روائي نُشر بين يوليو 2017 ويونيو 2018، وجرى اختيارها من بين ست روايات في القائمة القصيرة لكتّاب من الأردن وسوريا والعراق ولبنان ومصر والمغرب، وحصلت بركات بموجبها على الجائزة النقدية البالغة قيمتها 50 ألف دولار أميركي، بالإضافة إلى ترجمة روايتها إلى اللغة الإنجليزية.

إيهاب حمدي كاتب مصري
[email protected]

أخبار ذات صلة

0 تعليق