في العمق : أوقفوا المتسولين وارحموا ضعفنا فيهم

الوطن (عمان) 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

د. رجب بن علي العويسي

في عرفنا الاجتماعي يشكل التسول ظاهرة غير حضارية، في مشهد غير مريح يكاد يتكرر بشكل يومي في أماكن مختلفة وبطرائق متعددة وأساليب متنوعة في المساجد وأمام المركز التجارية والبنوك ومراكز الصرافة، وفي الأسواق حتى وصلت إلى المنازل، فهو سلوك يقوم على الغش والتدليس ووضع الإنسان محل السخرية والاستهزاء المتنافي مع قيم النزاهة وحفظ ماء الوجه والحياء، ومن يحملون هذا السلوك تجمعهم في المعتاد لغة واحدة وأساليب محددة وأدوات متقاربة وحركات معروفة، وهي الحصول على المال مهما كان بأقصر وقت وأسرع آلية، وهي لا تختلف كثيرا عن غيرها من الممارسات التي باتت تشوه صورة المنجز الوطني، إذ تعتمد على الرشوة والاختلاس، بل هي اختلاس للكرامة واختزال للنخوة، تبدأ بسرد حالة الضعف والعوز والمرض الذي يعيشه المتسوّل في ذاته أو في أسرته ومن يعولهم من والدين أو أطفال فيسرد حالته وظروفه التي دعته إلى الوقوف أمام المصلين أو مد يده للناس في الشارع والأماكن العامة والمتنزهات وغيرها، مسترسلا في حديثه بآيات وأحاديث حول لصدقة والعون وفك الكربة ومساعدة المحتاجين، متحدثا عن نعمة والأمن والأمان التي نعيشها في هذا البلد مكثرا من الدعاء في حلو كلامه وبوح ترانيمه التي تظهر في تمكنه من نطقها بأسلوب سلس وعبارات منمقة، يستميل فيمن يستجدي منهم المال ضعفهم، ويستلطف دعمهم ومساندتهم، وهو يجهش بالبكاء، مواقف كثيرة قد يعذر المواطن عندما يتعامل معها بحسن نيه، أو يتفاعل معها بحس ضمير رغم علمه أنها ضرب من الخديعة، وتعبير عن التسول الذي ينهي عنه الدين ويعيب على من يفعله صنيعهم، سلوك يُبقي المرء في حيرة من أمره، في فهم ما تعنيه هذه الممارسة ومقاصدها ودواعيها، كونها غير مستساغة عرفا في مجتمع يؤمن بمبادئ التكافل والتعاون وتنتشر بين مواطنه قيم الأخوة والتعايش والتسامح، فهل سيتواصل مع جهات الاختصاص للتعامل مع الحالة؟ أم تأخذه العبرة من الموقف فيلين قلبه ويرق نبضه ويرحم ضعفه ليقدم لهذا المتسول مبلغا من المال قلّ أو كثر، مع أنه في داخله غير راضٍ عن وجود هذه الفئة لما تجره على المجتمع من مساوئ وما تتيحه من أعذار في قبول التسوّل واستسهال الحصول عليه؟
ومع إيمان المواطن بما تبذله جهات الاختصاص في هذا الشأن من جهود، وما تمارسه من حملات ضبطية ورقابية ومتابعات في ضبط المتسولين والحد منهم وفق آليات حددتها القوانين والقرارات النافذة في هذا الشأن؛ إلا أن كفاءة هذه الجهود وقدرتها على تحقيق الفاعلية لها في الواقع يجب أن تنطلق من قدرة جهات الاختصاص على توضيح صورة الفعل القائم للمواطن، ليكون على بصيرة من الأمر وبيّنة من مسوغات الفعل، بحيث تتكون لديه مواصفات هذه الفئات التي تمارس التسول وتستجدي الناس، وآلية اكتشافها والصورة التي ارتبطت بها أو عكستها الممارسات السابقة مدعومة بالدلائل والشواهد الواقعية، وبالتالي أن تسبق عمليات الضبط الحاصلة متابعات أخرى استباقية وتوعوية وتثقيفية وتصحيح للمفاهيم المغلوطة والتعريف بالجهات المختصة بالدولة التي تتلقى طلبات المواطنين وغيرهم بشأن توفير الدعم لهم ومساندتهم، إذ من شأن هذه الجهود الاستباقية أن تعزز من نواتج الإجراءات الضبطية وفاعلية الأدوات التي تتخذها جهات الاختصاص ونجاعتها في احتواء الظاهرة وإعادة توجيه المسار الناتج، أو تبني سياسات تشغيلية ضامنة لتوفير الموارد الداعمة لها في الاعتماد على النفس وإقصاء سلوك التواكل.
على أن إحصائيات وزارة التنمية الاجتماعية تُظهر وجود تزايد في حالات التسول وبشكل ملفت للنظر في السنوات الأخيرة، حيث بلغ إجمالي عدد المتسولين المضبوطين خلال عام 2018 في مختلف محافظات السلطنة (1388) حالة، شكل خلالها المتسولين من العمانيين (112) حالة، في حين بلغ المتسولين غير العمانيين(1276) حالة، بينهم (489) متسولا مضبوطا، وهم تحت كفالة الشركات والمؤسسات والإفراد، وشكلت محافظة مسقط أعلى نسبة في حالات التسول، حيث بلغت (66%)، تليها محافظتا شمال وجنوب الباطنة بواقع (22%)، ثم محافظة البريمي (6%)، ومحافظة ظفار (4%)، وقد ضبط لديهم مبلغ وقدره(30.829.191) ريالا عمانيا بواقع (764.475) ريالا عمانيا لدى المتسولين العمانيين و(30.083.516) ريالا عمانيا لدى المتسولين غير العمانيين. على أن الملاحظ هو ارتفاع عدد الحالات في عام 2018 عن عددها في عام 2017، والتي بلغ عدد الحالات فيها(1152) حيث شكل العمانيون فيها (225) بما نسبته (19.5%) من إجمالي عدد المضبوطين، في حين بلغ عدد غير العمانيين (927) بما نسبته (80.5%) من إجمالي عدد المضبوطين، وبشكل عام تظهر الإحصائيات وجود زيادة في عدد المتسولين المضبوطين بين الأعوام 2016- 2018، حيث بلغت في عام 2016(570) حالة، وفي عام 2017 (1152 )، وفي عام 2018(1388) حالة، كما أشارت أيضا إلى وجود انخفاض في عدد المتسولين العمانيين من (225) في عام 2017 إلى (112) حالة في عام 2018، بما يعطي صورة إيجابية عن اتجاه ونتائج هذه الجهود وأهمية التكاتف المجتمعي في مكافحة التسول ووقاية المجتمع من أضراره، هذا الأمر طرح أيضا في ظل زيادة عدد الحملات الضبطية التي نفذها الفريق المشترك بين وزارة التنمية الاجتماعية وشرطة عمان السلطانية وغيرها، في مكافحة ظاهرة التسول والتي بلغت عام 2017(2561) حملة لضبط المتسولين.
وبالتالي ما تطرحه هذه الإحصائيات من متطلبات للحد من هذه الظاهرة، في ظل تزايد الأيدي العاملة الوافد غير المرخصة، والتي باتت تشكل عبئا آخر على الاقتصاد الوطني والأمن الغذائي وانخراطها في أنشطة اقتصادية وتجارية غير مرخصة تنافس فيها المواطن، والتي جاءت كنتاج للزيادة الحاصلة في الوافدين في السنوات الأخيرة، وفي المقابل ما يمكن الإشارة إليه حول الفئات الأخرى التي تمنح تأشيرات علاجية لعلاجها في أحد مستشفيات السلطنة، وتبقى بعد انتهاء فترة العلاج في أرض السلطنة، فتتجه لممارسة التسول كأحد الحلول للكسب السريع، خصوصا في ظل تزايد هذه الفئة لأسباب متنوعة معروفة من جهات الاختصاص، ومع الأدوات الضبطية التي يمارسها الفريق الوطني المختص بمكافحة التسول، والتي تقرأ العمق في طبيعة الحالات وتشخيصها والظروف والملابسات والمبررات التي تقف خلفها، وما أشار إليه قانون الجزاء العماني الصادر بالمرسوم السلطاني رقم (7/2018) من الفصل الثالث في المادة(297) حيث حددت العقوبات والجزاءات بالسجن والغرامة لكل من وجد متسولا في المساجد أو الطرق أو الأماكن أو المحلات العامة أو الخاصة، وأقرت للمحكمة المختصة مصادرة ما يكون معه من أموال عند ضبطه، وما أشارت إليه المادة (298) بالسجن لكل من تكرر منه سلوك التسول، وجواز الحكم بإبعاد المتسول من البلاد إن كان أجنبيا، أو الإعفاء من العقوبة لكل من يثبت لجهات الاختصاص أنه كان مضطرا، أو عاجزا عن الكسب وليس له مصدر رزق آخر؛ إلا أن ما أشرنا إليه من تشريعات وقوانين بحاجة إلى تبني أدوات لتنفيذها في الواقع وتعريف الرأي العام بها، وتوضيح صورة النتائج التي تمت من خلال بعض المضبوطين، أو عبر استطلاعات رأي ومسوحات للمجتمع في مختلف المنصات الإعلامية التلفزيونية والإذاعية والصحفية والإعلام البديل، وما يستدعيه ذلك من تحولات في منظومة التوعية والتثقيف المجتمعي بظاهرة التسول، بحيث تنطلق من محددات واضحة ومرتكزات عمل دقيقة تنشد الوصول بالتوعية إلى بلوغ أهدافها، وتبقى مسؤولية المجتمع في مستوى تقبله لهذه البرامج الإعلامية وفهمه لمنطلقاتها، وإدراكه لما يحقق له ولأسرته ولمجتمعه الأمن والأمان.
ويبقى كيف يمكن رفع سقف توقعات المواطن نفسه في التعامل مع هذه الفئات، فيدرك أن من واجباته أن يبلغ عن هذه الحالات، عبر أرقام التواصل أو غيرها من الوسائل فيصنع بذلك التحول وينتج القوة في شخصية الممارس لهذا السلوك، عبر تخليه عن الممارسة، إذ يضعه أمام مسؤولية البحث عن عمل وتحمل مسؤولياته، وإثبات بصمة نجاح له في مجتمعه وأمام أسرته أو الآخرين، فيصنع منه إنسانا منتجا يعمل باجتهاد وإخلاص، فيضعه أمام شؤم الفعل وقبح العمل الذي يقدم عليه ويوضح له بأن هناك جهات أخرى بالدولة معنية بمساعدته والوقوف معه ودعمه وتوفير البيئة الآمنة له والرعاية لكيانه البشري في حصوله على المال، وتوفير الوظيفة للمواطن ليحقق بها ذاته، وهو ما يعني أن علاج الظاهرة يجب أن يبدأ من المواطن نفسه ولا يقتصر على دور الفرق الضبطية المشتركة بين المؤسسات، أو القائمين على تنفيذ الحملات التوعوية للمتسولين؛ بل أن يكون المواطن في فقه مسؤولياته، مساعدة نفسه وجهات الاختصاص عبر وقاية المجتمع من تأثير هذه الممارسات على الأمن والسلوك العام والاستقرار الأسري وخصوصية المنازل وحرمتها، وتعبيرا عن مظهر حضاري راقٍ في مجتمع تنتفي فيه ظواهر التسول التي تجر في أذيالها أذناب الفشل والهروب من الواقع، خصوصا عندما يمارسها الأطفال أو الشباب من الجنسين.
ومعنى ذلك أن كفاءة المواطن، الحلقة الأقوى في مكافحة التسول والوقاية من انتشار هذه الظاهرة، فبعد استكمال عمليات التوعية والتثقيف التي اشرنا إلى بعض ملامحها، تأتي أهمية بناء وعي المواطن ذاته بمنظومة التشريعات واللوائح والأنظمة والعقوبات المقرة في هذا الجانب، والتعامل مع المفاهيم والمصطلحات والخصائص التي تبرز حقيقة هذه الظاهرة وتكشف اللثام عن خفايا هذا السلوك، ومسؤولية المواطن في المحافظة على سلامة المجتمع وأمنه، والوقوف ضد كل المنغصات والقلقات أو المشوهات التي تسيء إلى ثقافة العمانيين، وتتقاطع مع جهد السلطنة في توفير العيش الكريم للمواطن وحرص المؤسسات على تقديم سبل الرعاية والعناية، بما يؤسس في الوقت نفسه للاعتراف بالجهود المقدمة من الجهات المختصة في هذا الشأن، ويبرز التزام السلطنة بالاتفاقيات الدولية المعنية بحقوق الطفل وحرمة تشغيل الأطفال، وما يوفره التسول من بيئة خصبة في انتشار أطفال الشوارع وحالات الابتزاز والاعتداء الجسدي والنفسي وغيرها. وهو ما ينقل عملية التوعية إلى مرحلة الاحتواء والتأثير وإعادة توجيه المسار القادم، في إطار حوار اجتماعي وتفاعل مؤسسي يقرأ هذا الموضوع على مستوى السياسات والتشريعات والبرامج والخطط، لبناء مجتمع حضاري راق في مزاجه وذوقه وتعامله وأسلوبه، وفي طريقة حصوله على حقوقه أو تعامله مع الفرص المتاحة لمزيد من الاستقرار النفسي والبناء الأخلاقي الذي يجنب إنسانيته كل محطات الوهن ومهدرات القيم ومنغصات الكرامة.

[email protected]

أخبار ذات صلة

0 تعليق