بين السخرية والحقيقة.. في رسم النيويورك تايمز

الوطن (عمان) 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

علي عقلة عرسان

الرسم الكاريكاتوري الساخر الذي نشرته جريدة “النيويورك تايمز”، بتاريخ ٢٧/نيسان ٢٠١٩، ثم اعتذرت عن نشره وحذفته من النسخة الرقمية، وبقي منشورا في نسختها الورقية ـ الطبعة الدولية، رسمٌ يظهر نتنياهو بصورة كلب في عنقه نجمة سداسية “نجمة داود الإسرائيلية”، ومِقوده بيد الرئيس ترامب الذي يظهر أعمى يضع على رأسه القبعة اليهودية “الكيبا”، ويتبع الكلب الذي يوجهه نحو الأهداف الصهيونية ليخدمها، حيث أرادت الصحيفة التعبير عن انسياق ترامب المطلق وراء نتنياهو والحركة الصهيونية، خدمة لـ”إسرائيل”، وتنفيذا لسياساتها، وتلبية لطموحاتها، ومحاربة لأعدائها.
هذا الرسم الكاريكاتوري الفضّاح، أزعج الصهاينة في كيان الاحتلال “إسرائيل”، وصنفوا مَن رسمه ومَن نشره “معادين للسامية”، كعادتهم في اتهام كل من يعري حقيقتَهم، ويشير إلى نفوذهم السياسي الكبير في الإدارة الأميركية، ومسؤوليتهم عن الكثير من التصرفات والقرارات والسياسات التي اتخذها الرئيس دونالد ترامب.
وعلى الرغم أن الرسم الساخر المثير للدهشة، نشرته جريدة يهودية الولاء بالتمام والكمال، وعبَّر بصراحة عن توجهات السياسة الأميركية وانحيازها المطلق لإسرائيل والحركة الصهيونية، لا سيما في عهد ترامب.. فإن صهاينة تحدثوا عن “لا سامية” وعن نازية في أوساط أميركية، وحتى عن “لا سامية يهودية” ـ مثلما تحدثوا في مناسبات سابقة عن يهود كارهين لأنفسهم، ويهود ضد “إسرائيل” والصهيونية. فمَن “يجرؤ على الكلام” معهم، وهم الذين يحكمون الساسة والسياسة في الولايات المتحدة الأميركية، في مجلسي الكونجرس وفي البيت الأبيض، ويتحكَّمون بقراراتها المتعلقة بقضية فلسطين، والوطن العربي، وما يسمَّى الشرق الأوسط؟!
ولا شك في أن مواقف دونالد ترامب وتعاليه المُعبَّر عنه بمقولته “تفوق العرق الأبيض” تلك التي يأخذ بها، وفي مواقفه المعادية للمسلمين، وللهجرة، وللفقراء، وحربه على الآخرين، دولا وشعوبا ومنظمات.. غذَّت وتغذي نهجا عدوانيا وإرهابيا متطرفا.. ففضلا عن الممارسات المعروفة، المكشوفة وغير المكشوفة، فقد رآه الإرهابي الأسترالي مرتكب مذبحة المسجدين في نيوزيلندا مُلهما وقدوة في الدفاع عن المسيحية والعرق الأبيض، وسار الأميركي جون تي آرنست، منفذ حادث إطلاق النار في كنيس مدينة “باواي ـ ساندييجو” الأميركية الذي قتلت فيه امرأة وجرح ثلاثة أشخاص.. سار على نهج الإرهابي الأسترالي مجرم المَسجدين، وسبقهما بمراحل في الإجرام والعنصرية الإرهابي الصهيوني باروخ جولد شتاين الذي قتل المُصلين المسلمين فجرا في مسجد خليل الرحمن في مدينة الخليل، وصِنْوه كاهانا حي، وكل مجرمي كيان الاحتلال والعنصرية “إسرائيل” منذ فرض ذلك الكيان بالتآمر والإرهاب على الفلسطينيين والأمة العربية.. وهكذا يلتقي الإرهابيون والعنصريون والصهاينة في بوتقة واحدة ويتماهون، ويمارسون جرائمهم، ويتهمون الآخرين، بتعالٍ عنصري وغطرسة وافتراء لا مثيل له..
لكن يبقى السبق في الفجور العنصري والافتراء. للصهاينة بلا منازع، فهم تاريخيا لا يجاريهم أحد في هذا المجال، ويتهمون حتى خدامهم إذا اقتضى الأمر، لفرض مزيد من الزحف على الأكواع والرُّكَب.. ففي حادث مدينة “باواي”، وقبله في حادث بيتسبرج “بنسلفانيا”، جاء من يوحي بتحميل دونالد ترامب و”الكيباه” على رأسه، تحميله مسؤولية عن “تنامي لا سامية” متشددة ضد اليهود في المجتمع الأميركي؟! وهذا نوع من التهديد المبطَّن يتقنه الصهاينة ويستخدمونه مع المسؤولين الأميركيين والأوروبيين ومع مَن يضعون يدهم على رقبته بصورة ما.. يتخذونه وسيلة للابتزاز السياسي والدبلوماسي والمالي، حيث يرتجف المسؤولون الذين يلوَّح لهم بـتهمة “اللاسامية” وغيرها من تُهم اليهود، ويسارعون إلى الاعتذار، ويندفعون في تقديم الخدمات لـ”إسرائيل” تعويضا وتأكيدا للولاء، وإظهارا للولاء التام للصهيونية، والتعاطف الأبدي مع ضحايا “الشِّوا = المَحرقة”؟!
وفي حالة ترامب، أعمى كاريكاتير جريدة النيويورك تايمز، لوَّح الصهاينة في “إسرائيل” بمسؤوليته عن تنامي “اللاسامية” والنازية، واضعين خدماته الجُلَّى لهم في سياق المزالق، تحسُّبا للآتي في انتخابات عام٢٠٢٠، وابتزازا لمزيد من الخدمات والمال والمواقف منه، لا سيما فيما يتعلق بـ”صفعة القرن”، وضم مستوطنات وأجزاء من الضفة الغربية إلى “إسرائيل”، بعد القدس والجولان و.. و.. فقالوا: إن اعتماده التام على صهاينة متطرفين في البيت الأبيض، وفي المفاصل الرئيسة لإدارته، تسبب في عداء لليهود، وغذى “لا سامية” لم يكبحها في الولايات المتحدة الأميركية؟! وفي هذا المنحى نشرت جريدة يديعوت أحرونوت مقالا افتتاحيا بتاريخ 29/4/2019 – لأورلي أزولاي تضمن ذلك المعنى، وجاء فيه: “اللاسامية ترضع من مصدرين الاغلبية تأتي من جانب اليمين المتطرف، من المنظمات التي تتبنى طهارة العرق، ولكن توجد مجموعة أخرى، في اليسار الراديكالي تشجع اللاسامية من الجهات الأخرى: فهم يزعمون بأن ترامب يبتز أموال دافع الضرائب الأميركي كي يصب المال على دولة إسرائيل، ويسمح لليهود بإدارة سياسة الولايات المتحدة.. للكلمات قوة، وهي يمكنها حتى أن تقتل، وعندما يتعنصر رئيس أميركي على المختلف والآخر ـ فهذا يعطي اللاساميين والنازيين الجدد مجال عمل.. ترامب لم يجعلهم منبوذين وهذا انتهى بالدم”.
فانظروا الرسم، ولاحظوا الذم، وتأملوا واتعظوا يا.. يا.. يا خلق الله.

أخبار ذات صلة

0 تعليق