حي بوستيل بمنوبة جسر بين بلدين وثقافتين وجيلين

تورس 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف
حي بوستيل بمنوبة جسر بين بلدين وثقافتين وجيلين

نشر بوساطة يسرى الشيخاوي في حقائق أون لاين يوم 31 - 10 - 2019

hakaek
في حي بوستيل بمنوبة، يتزيّن الأثير بضحكات أطفال صغار وجدوا في الفن ملاذا يهربون إليه من السوداوية التي تسم واقع الأحياء الشعبية في تونس، وميناء سلام يهرعون إليه آيام الآحاد والعطل ليرسموا عوالمهم المتخيّلة.

ضحكات، وأنغام آلات موسيقية تنبعث من خيمة منتصبة بالقرب من دار الشباب بالحي حيث تجري الاستعداد على قدم وساق لرسم ملامح "أوبريت بوستيل"، وهي عرض فرجوي مسرحي وغنائي، وليد مجهود تشاركي لتلاميذ المدرسة الإعدادية "ابن خلدون" وسكان الأحياء المجاورة، ثمرة مختبر المستقبل بتونس ويزينه حضور تلاميذ من زوكنفتسلابور بريمن بألمانيا، لقاء بين بلدين يخطّ الاطفال معالمه.

عمل فني أبطاله أطفال أفرجوا عن مواهبهم في مختبر المستقبل ببادرة من مؤسسة كمال الأزعر وزوكنفتسلابور بريمن وبدعم من وزارة الخارجية الألمانية، أطفال تتحدّث إليهم فتبهرك شاعريتهم وقدرتهم على ترتيب الكلمات، ربّما هو سحر الفن.
جسر بين بلدين..

هنا الخيمة تتجاوز تلك الكليشيهيات المرتبطة بدعاة التطرّف وتتجاوز بعدها المادي لبعد آخر رمزي، فهي تجمع تحتها تونسيين وألمانا تختلف هيئاتهم ولغاتهم ورؤيتهم للأشياء ولكنّهم يتفقون على قدرة الفن على كسر الحواجز والتغيير.

من اللهجة التونسية إلى الأنقليزية إلى الفرنسية، تتعدّد طرق التعبير والتواصل وتظل الابتسامة والنوتة أبلغها، وفي حي بوستيل يمدّ الفن جسرا بين بلدين تونس وألمانيا ويتقاسم الأطفال شغفهم رغم الاختلاف.

من الخيمة التي ستحتضن الاوبيريت إلى دارت الشباب، الفضالئين الذين تجري بيهما التمرينات المتواترة استعدادا لعرض يوم الاحد الثالث من شهر نوفمبر المقبل، يلتحم التلاميذ الألمان والتونسيين حتّى تخال أنهم من جنسية واحدة.

هو لقاء بين حضارتين وثقافتين بكل ما فيهما من زخم، فالتلاميذ الألمان لم ينزلوا في نزل فخم وإنما استقبلتهم عائلات التلاميذ التونسيين المشاركين في مخبر المستقبل، وهي تجربة أعجبت ضيوف حيّ بوستيل.

وفي هذا السياق تقول "لايتيسيا" إحدى التلميذات القادمات من ألمانيا إن هذه التجربة ممتعة وأنّها سعيدة باكتشاف الثقافة التونسية عن قرب من خلال الإقامة في منازل تختلف عن منازلهم، منازل يسكنها أشخاص دافئون على عكس طباع الألمان التي تتسم في مجملها بالبرودة، وفق تعبيرها.

وعن انطباعها عن الأجواء عموما، تشير إلى أنّها وأترابها لم يجدوا صعوبة في الاندماج مع التونسيين ولكن ذلك لا ينفي ذلك وجود بعض الفوضى في التمارين واختلاف في طريقة تبليغ الأساتذة للمعلومة، وهو أمر لم يفسد متعتهم.

ومن جهتها تعتبر أستاذة الألمانية عبير ساسي والمنسقة المرافقة للتلاميذ الألمان أن هناك بعض الاختلاف بين أساليب الأساتذة التونسيين والألمان في التعامل مع التلاميذ إلى جانب اهتمام الألمان بالجانب التنظيمي على عكس التونسيين الذين من الممكن أن يتركوا بعض التفاصيل عفوية.

جسر بين جيلين..

والعرض الذي سينتظم مساء يوم الأحد سيناريو وإخراج مختار الوزير وموسيقى محمّد الأسود وأسامة المهيدي بمشاركة تلاميذ مختبر المستقبل من تونس وتلاميذ زوكنفتسلابور بريمن وموسيقيي الفرقة الوطنية للموسيقى بقيادة محمد الأسود وموسيقيين ضيوف من دي دويتش كامرفلهارموني بريمن.

وفكرة مختبر المستقبل تمدّ أيضا جسرا بين جيلين، موسيقيون محترفون وتلاميذ يجسّدون أحلامهم خطوة وراء خطوة على أمل أن تصير يوما حقيقة مكتملة، تلاميذ لا يكفون عن السؤال ويلاحقون الاجزبة في كل التفاصيل، تلاميذ قالت عنهم مديرة زوكنفتسلابور بريمن بربرا غوخه إنهم يتطورون يوما بعد يوم.

وعن هذا التطور، تشير إلى أنّها المرة التاسعة التي تحل فيها بتونس وفي كل مرّة تجد التلاميذ المنخرطين في مختبر المستقبل أكثر تعطّشا للتعلم وأكثر انتباها ، معتبرة أن التمارين المتكرّرة خلقت نوعا من الانسجام والتفاهم بينها وبينهم.

وعن أثر هذه التجربة في التلاميذ تعتبر أن الأمر يتعلّق بجانبين الأول إنساني إذ يبني الأطفال علاقات ويستفيدون من تجارب بعضهم البعض وعلى المستوى الموسيقي أيضا هناك تبادل فمستوى الموسيقيين في تونس عال جدّا والأطفال هنا يتعلمون بسرعة.

وفيما يتعلّق بالتعاون بينها وبين المايسترو محمّد الأسود تقول بابرا غوخه إنه موسيقي جيّد وإنها تعشق وأنّها يعملان مع بعض ويهتم كل واحد منهم بالمدوّنة الموسيقية الخاصة به، مشيرة إلى أنّ التعامل مع أطفال مختبر المستقبل ليس بالصعب لأنهم دائفون ومنضبطون وأذكياء.

حكايات أمل ..

وعلى هامش التمارين التقت حقائق اون لاين بتلاميذ مشاركين في مختبر المستقبل، لكل منهم بصمته في "أوبيريت بوستيل"، تلاميذ ترشح كلماتهم أمل وحلما، كلمات تترجم شغفا بالفن وإيمانا بقدرتها على التغيير.

نور الإسلام الوسلاتي، تلميذة تعبّر عن هواجسها بالكلمات، هي صاحبة أغنية " عصفورة " الأغنية التي شاركت بها في أوبرا الحي في بريمن بألمانيا، حيث أسست صداقة عابرة للحدود.

تتحدّث عن ورشة "الميلودي" وعينيها تشعّ زهوا، وهي التي تعلّمت فيها أن تطعّم نصوصها ببعض الأمل دون أن تشوّه صدق الحزن فيها بتوجيهات من الأستاذ سليم بكوش.

وهي لا تخفي إعجابها بتجربة المختبر الموسيقي ذلك أنّه مكّنها من التعرّف على ثقافة أخرى ومن تخطّي حاجز اللغة كما فسح لها المجال لتكون حاضرة في عرض هو الأوّل من نوعه في تونس من حيث التصور.

أما محمد أيوب خلف المشارك في مختبر المستقبل بتونس منذ قرابة السنة والنصف، فمولع بالمسرح ويطمح لأن يصبح ممثلا كوميديا، وجد ملاذه في دار الشباب بحي بوستيل وثابر على حضور التمارين المسرحية حتّى اختطف دورا هاما في الكوميديا الموسيقية.

وبالنسبة له هذه التجربة انعكست ايجايا على شخصيته وعلى طباعه وعلى نظرته للواقع من ذلك أنّه أصبح يعي معنى المشاركة وأضبح يستثمر وقت فراغه في التمارين عوض المكوث في الشارع دون هدف محدّد.

"ساعة ورا ساعة يوم ورا يوم كلمة ورا كلمة تتعدى تتعدى وتهون مااحلاها الدنيا بقلب صافي وحنين الحكاية تمشي وتمر عليها سنين ونسمة حلوة وضحكة من العين"، كلمات للتلميذة مريم الخميري كانت حاضرة في العرض الغنائي في أوبرا الحي ببريمن.

وعن هذه الكلمات تقول الطفلة التي تبدو أكبر من عمرها عبر كلماتها المتقاة بعناية وأسلوبها الصارخ في التعبير عن نفسها، إن بدايتها في المختبر الموسيقي كانت مع العزف والكورال ومن ثم تطوّر الأمر لتتكثف الأنشطة وتشمل المسرح والكوريغرافيا.

ابتسامة وشغف وحلم، هكذا تلخّص علاقتها بالفن إجمالا، معتبرة أنّ من خلال تجربتها في الكتابة والعزف تمكّنت من اكتشاف جوانب مخفية فيها ومن اكتساب مزيد من الثقة في نفسها وفي قدرتها على التطوّر يوما يعد يوم.

والتلميذ زياد بالقادر المشارك في مختبر المستقبل، والذي سيكون حاضرا في عرض "أوبيريت بوستيل" ضمن الكورال، يقول إن الموسيقى أسهمت في تغيير طباعه ووضعيته وجعلته في منأى عن الشارع ومخاطره.

وهو اليوم عازف بارع على آلة الدربوكة يطمح لأن يجيد العزف على كل الآلات الإيقاعية ويصبح عازفا في الفرقة الوطنية للموسيقى، كما أنّه يريد ان يقدّم صورة جيّدة عن بلده تونس وعن حيّه بوستيل الذي نشأ فيه لذلك قام رفقة زملائه بحملة نظافة في الحي وزينوا الجدران بألوان ورسومات تعبّر عنهم.

أما التلميذة رنيم الصفاقسي فقد حدّثتنا عن التعب والضغط الممزوجين بالمتعة وعن التجربة المحفّزة خاصة في علاقة بالتبادل الثقافي بين التلاميذ التونسيين والألمان.

وعن وقع هذه التجربة في نفسها تقول رنيم إنها تخلّصت من الرهبة والخجل واكتسبت أصدقاء جددا يتبادلون الأفكار والتجارب كما انّها تعلّمت أنه لا وجود لحواجو إذا كانت لديها الرغبة في التقدّم والتطوّر.

*الصورة من صفحة مخبر المستقبل بتونس

.



أخبار ذات صلة

0 تعليق