أوراق الخريف : مشروع “السلطان قابوس للمؤتلف الإنساني” مظلة للعدل والإنسانية

الوطن (عمان) 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

احمد باتميرة

في احتفالية اليوم العالمي للتسامح بالعاصمة الإندونيسية “جاكرتا” قبل أيام تم الإعلان عن مشروع “السلطان قابوس للمؤتلف الإنساني” الذي يعد رسالة سامية لنشر مفهوم الألفة والتسامح والسلام بين شعوب العالم بكافة أطيافهم ومعتقداتهم دون تفرقة عرقية أو مذهبية أو لون، أنه مشروع ينشد الحب والوئام بين الناس في كل بقعة من هذا الكوكب، ويُعزز العلاقات الإنسانية بين الشعوب والأمم في كافة القارات، خصوصا وأن الشعوب بحاجة ماسة الآن لمثل هذه المبادرات الإنسانية الشاملة.
اليوم هناك الكثير من الصراعات والتوترات والحروب والانقسامات ومظاهر التطرف والأزمات والاختلافات التي تنتشر انطلاقا من القارة الأميركية مرورا بالآسيوية وصولا للشرق الأوسط، هذه الحروب والأزمات تحتاج لوقفة صريحة ومبادرة إنسانية لحل الاختلافات وتقريب التوجهات بين الشعوب والأديان ووقف نزيف الدماء والحروب لتعيش البشرية في وئام وحسن الجوار، وهذا توجه سلطاني حكيم منذ تولي جلالته مقاليد الحكم في البلاد، واليوم فإن هذا التوجه العماني الحضاري سيكون أمميا بإذن الله تعالى بعد تبنيه من قبل الأمم المتحدة التي رحبت بالفكرة وأعلنت تأييدها للمشروع، وكذلك الاتحاد الأوروبي والعديد من الدول والمنظمات الإقليمية والدولية وعلماء مختلف الأديان لما له من إيجابيات تدعم حقوق الإنسان، وتنشر مبادئ السلام والتسامح وترسخ قيم التعايش بين مختلف أجناس البشر والأديان والثقافات.
إن مبادرة المؤتلف الإنساني لا تأتي إلا من قادة عظام، يتمنون الخير للجميع، قادة يؤمنون بالمبادئ الإنسانية التي تجمع كل الأديان والثقافات فوضعوا في الاعتبار أن كلمة الحب أفضل من الحرب، والتسامح أفضل من العزلة، والوئام أفضل من الفقر، والتعليم ولو تحت ظل شجرة أفضل من دون تعليم..!
فمنذ تولي جلالة السلطان قابوس مقاليد الحكم وحتى اليوم لم تدخر السلطنة أي جهد في سبيل نشر ثقافة الألفة والوحدة في المجتمع العماني، وكذلك التسامح والحوار والسلام بين الدول المتصارعة في سبيل تحقيق الأمن والاستقرار. وكان لهذا الدور والتحرك نتائج ملموسة داخليا وخارجيا في حل الكثير من القضايا الإنسانية، فلا يمكن أن ننسى دور جلالة السلطان قابوس وحكومته في إطلاق سراح الكثير من الأسرى والمعتقلين في بعض الدول، انطلاقا من أهمية البعد الإنساني والإيمان بضرورة العيش بأمان، وتأتي هذه المبادرة والمشروع السلطاني لتكون علامة بارزة في التاريخ على مستوى المنطقة والعالم المعاصر.
وقد ثمن الحضور في جاكرتا المشروع وما تضمنه من أهداف سامية، بعد أن أعلن معالي الشيخ عبدالله بن محمد السالمي وزير الأوقاف والشؤون الدينية عن مشروع “إعلان السلطان قابوس للمؤتلف الإنساني” الذي يحظى بدعم ورعاية سامية من لدن المقام السامي لنشر قيم التفاهم والتسامح والتعايش الاجتماعي بين كل الأعراق والأجناس البشرية وكشف عن تفاصيل المشروع الذي يتخذ من تجربة السلطنة العميقة وإيمانها المرتبط بالأخلاق والقيم المشتركة لنبذ كافة صور التمييز والتطرف والعنف والكراهية، ونشر مظلة التآلف الإنساني معتمدا على العقل والعدل والأخلاق بين الجميع.
مكانة السلطنة، والسلطان قابوس، مكنته من استشراف أوضاع البشر وهمومهم وأوجاعهم، من خلال تبنيه الرفاهية والازدهار والسلام والتسامح وحسن الجوار شعارا ثابتا في العلاقات بين الشعوب والدول، واليوم يضيف لبنة جديدة لنهجه ومنجزاته الخيرة بطرح مشروع “المؤتلف الإنساني” الذي سيسهم في إيجاد بيئة وواحة سلام بين البشر.
مشروع ريادي وعالمي يهدف إلى تغليب مبدأ الإنسانية في التعامل، ويدعم مساعي السلام الخيرة وتطبيق العدالة ونشر مبادئ وقيم التسامح والوفاء والمحبة ليعيش كل من على كوكب الأرض في سلام وأمان دون ضرر ولا ضرار. فعالم اليوم ليس بحاجة لحروب، بل بحاجة لقيم ومبادئ إنسانية وتنمية ونماء بشكل عام، وهذا ما حرص عليه جلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ داخليا وخارجيا.
فشكرا لجلالته على هذه المبادرة، وشكرا للجهات المعنية المكلفة بهذا الأمر لإنجاحه، لما له من دور ثقافي إنساني شامل، فهو بادرة مباركة تعكس حرص السلطنة وسياستها المتبعة في تغليب مبدأ السلام والإنسانية في التعامل مع الاختلافات والأزمات والحروب، وهي مبادئ حكيمة لمعالجة كل أنواع الإشكاليات بزرع الألفة والمحبة أولا لتكون مدخلا لأي حوار عقلاني للتسامح. وهذا المشروع ما هو إلا غيض من فيض لصيانة النفس البشرية وضمان سلامتها وحفظ حرياتها دون تفرقه عرقية أو مذهبية أو من أي نوع، وهذا النهج الحكيم من لدن جلالته ـ أعزه الله ـ يتطلب تعميمه ليكون مشروعا أمميا عالميا وقدوة يحتذى به، وكان إطلاقه بحضور عدد كبير من الشخصيات العالمية والعلماء وداعمي السلام من مختلف دول العالم الذي اجتمعوا في إندونيسيا هو لتوصيل هذه الرسالة.
فالرسالة والمشروع يركز على الألفة بشكل عام وخلق أجواء جميلة من السعادة والاستقرار بين الشعوب المختلفة، ونشر ثقافة الاحترام المتبادل، والتعريف برسالة الإسلام التي تتبناها وزارة الأوقاف والشؤون الدينية بطريقة حققت أهدافها، وليكون مشروع إعلان السلطان قابوس للمؤتلف الإنساني إضافة جديدة للمجتمع الدولي ويقوم على ثلاثة مرتكزات أساسية هي “العقل والعدل والأخلاق”.
لذا نتوقع أن ينال المشروع صدى عالميا لما له من فوائد جمة على البشرية عامة، بالنظر إلى أن التآلف الإنساني وترسيخ مبادئ الأخلاق والقيم هي مبادئ تحتاج لها المجتمعات البشرية في مختلف القارات اليوم وغدا مما يجعل من البشر في كل مكان أن يعيشوا على أسس من الكرامة والحقوق والاحترام المتبادل.
فكلنا يعلم ويتابع عن كثب ما يجري حولنا وفي العالم من متغيرات متسارعة إقليمية وعالمية إيجابية كانت أو سلبية، كل ذلك يتطلب إعادة التوازن من خلال إيجاد مشروع إنساني اجتماعي يتعلق بهذا الأمر لتحسين حياة البشر والحفاظ على حقوقهم رغم الاختلافات بينهما، واستنهاض القيم النبيلة وتنميتها فيهم لتعم البشرية جمعاء من خلال الندوات والمؤتمرات والمحاضرات وكذلك احترام الآخر للوصول إلى التكامل الواقعي وتبادل المنافع على قدم المساواة والاحترام والإخاء والتعاون وغيره. وهذا ما أكد عليه معالي الشيخ وزير الأوقاف والشؤون الدينية بأن هناك خبراء سيعكفون خلال الفترة القادمة على وضع ملامح مشروع الإعلان العامة والتفصيلية.
لقد حرصت السلطنة على أن يكون إطلاق المشروع خلال احتفال العالم باليوم العالمي للتسامح والذي يصادف السادس عشر من نوفمبر من كل عام، وكانت إندونيسيا، أكبر الدول الإسلامية، هي المستضيفة لهذا الاحتفال لإطلاق المشروع الريادي الذي يعود بالخير على كل البشر لتعيش كل المجتمعات في كل الدول على امتداد العالم في أمن وأمان واستقرار كما نادى وينادي به باستمرار جلالة السلطان قابوس.
إن الألفة والمحبة والاحترام المتبادل هي ركائز أساسية في علاقات السلطنة بالدول الشقيقة والصديقة، وهي ركائز لا يتم المساس بها، وهي تنبذ دوما الحروب، وتسعى إلى حقن الدماء، وتبتعد عن الفتن وخلق الأزمات، وتسعى للصلح والحوار بين الشعوب والحضارات، وتتخذ من القيم الإسلامية والتسامح منهجا ثابتا في علاقاتها الخارجية، فهذه فلسفة عمانية تاريخية تتمسك السلطنة بها على الدوام.
واليوم يجسد مشروع إعلان السلطان قابوس للمؤتلف الإنساني للبشرية جمعاء وفي مختلف القارات نهجا مهما للتسامح من منطلق أن القيم والأخلاق تشكل دعامات رئيسية لحقوق الإنسان.. والله من وراء القصد.

د. أحمد بن سالم باتميرا
[email protected]

أخبار ذات صلة

0 تعليق