في العمق : كأس الخليج”24″ والمصالحة الخليجية المرتقبة

الوطن (عمان) 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

د. رجب بن علي العويسي

لعل تفاؤلنا بتحقق مؤشرات الانفراج في الأزمة الخليجية عبر الحدث الكروي الخليجي يرجع إلى المعطيات الإيجابية التي شهدها هذا الملف في الأيام القليلة الماضية، فقبول المملكلة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة ومملكة البحرين الشقيقات باستضافة بطولة كأس الخليج في دورتها الرابعة والعشرين في “قطر”، جاء كسرا لكل أشكال الحدود والحواجز الوهمية المختلقة قسرا، والتي أثبتت ضعفها أمام الروح الخليجية المعطاءة والمشاعر الإيجابية الجياشة الغائرة في عمق الزمن التي ظلت حاضرة كمفردة أصيلة في الوفاق والتناغم بين أبناء البيت الخليجي، والمشتركات القيمية والأخلاقية والتأريخية والدينية، والهوية الخليجية والمؤتلفات الإنسانية التي تربط بين شعوب المنطقة، وتأكيدا للقناعة الخليجية الأولى التي قادها وأسس دعائمها قادة المنطقة العظماء في سبيل نهضة الأجيال القادمة وعبر تأسيس الوحدة الخليجية المشتركة التي أنتجت مؤسسات البيت الخليجي الشامخة في وجه كل صيحات التغريب ومسببات الفرقة؛ إذ شكلت الأمانة العامة لمجلس التعاون لدول الخليج العربية والمؤسسات التابعة لها والمنبثقة عنها جسور اتصال ومحطات التقاء تناغمت فيها الرؤى والأفكار والتوجهات والسياسات بين أبناء البيت الخليجي في مختلف المجالات الأمنية والاقتصادية والاجتماعية والتعليمية والثقافية والعسكرية والإحصائية والتجارية وغيرها، والذي يفرض على قيادات دول المنطقة، أن تعي الغاية الكبرى من وجوده، والأهداف العظمى في وحدته وتكاتف أبنائه، وفي المحافظة عليه، وإعادة بنائه، وصون قدسية هذا الرصيد الثري المعزز للحوار والتآلف والوحدة والانسجام بين أبناء البيت الخليجي، في ظل ما يحيط بالخليج من أحداث ويعايشه من تدخلات ونزاعات وتهديدات، والتعاطي الواعي مع كل المستجدات الحاصلة في المنطقة والعالم، وبالتالي ما يشكله قبول دول الحصار لإقامة العرس الكروي الخليجي في دوحة الشموخ والعطاء في حد ذاته من تحول نوعي في مسار العمل الخليجي القادم، ونقطة انفراج لبلوغ مرحلة الحكمة، وقرار استراتيجي صائب يحسب للبيت الخلجي عامة وللمخلصين من قيادات دول مجلس التعاون الخليجي التي سعت وبكل جدية إلى رأب الصدع ونبذ الخلافات وقطع دابر الفتنة، وتعزيز أواصر التكامل والإخاء بين أبناء المنطقة وإذابة كل الفوارق التي أوجدتها التدخلات الخارجية والأجندة الشخصية لبعض الأنظمة؛ فإن هذا الانفراج المرتقب في الأزمة الخليجية، يعززه أيضا الزيارات الاستثنائية إلى مسقط السلام التي قام بها صاحب السمو الملكي الأمير نائب وزير الدفاع السعودي إلى السلطنة وتشرفه بلقاء حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ والزيارة التي قام بها صاحب السمو مستشار الأمن القومي الإماراتي إلى السلطنة ولقائهما جميعا بمعالي الفريق أول وزير المكتب السلطاني، وبالتالي ما يعتقد المراقبون والمتابعون لتطورات هذا الملف، من أن تسهم به هاتان الزيارتان بالإضافة إلى جهود سلطنة عمان المستمرة وجهود الشقيقة دولة الكويت في حل الأزمة اليمنية، وتأكيد دور الأشقاء في تقريب وجهات النظر، وخلق مساحات أكبر للحوار من أجل دعم حل سلمي متوازن يحقق طموحات الشعب اليمني الشقيق، ويخلص الشقيقة قطر من حصار أعطى مساحة أكبر للتدخلات في المنطقة ورسم علامات استفهام لكل المحطات الإيجابية التي عايشها المواطن الخليجي منذ ثمانينيات القرن الماضي.
وبالتالي مأ يؤسسه هذا الموقع الحيوي للرياضة عامة وكرة القدم على وجه الخصوص في التكتلات الإقليمية السياسية والاستراتيجية الاقتصادية وغيرها، من قيمة مضافة لتغيير قواعد السلوك الخليجي المتأزم بأحداث اليوم وقطر؛ عبر توجيه الأنظار إلى كأس الخليج 24 باعتباره أحد البدائل الاستراتيجية التي يجب استثمارها اليوم كمدخل لانفراج الأزمة الخليجية وإعادة المياه إلى مجاريها بشكل أفضل مما كانت عليه معززة بالشفافية والوضوح والالتزام بالمبادئ والاتفاقيات وترقية مسارات الثقة والمسؤولية الخليجية في القيام بدور أكثر فاعلية في إعادة بناء البيت الخليجي، ودور الرياضة الخليجية في بناء أخلاقيات الأزمة وفق معايير الثبات والمصداقية، يضبط خلالها مسارات العمل الرياضي والإعلامي، ويوجهه نحو التزام الأخلاق وتسويقها وترويجها وتعميق حضورها في سلوك الجمهور الرياضي واللاعب والمعلق الرياضي والمحلل الإعلامي والصحفي ورئيس تحرير الصحيفة، والمسؤول الحكومي والمواطن العادي وغيرهم، والحيلولة دون التأثر بأفكار إعلامية أو شخصية ترويجية، تستهدف النيل من النسيج الاجتماعي الخليجي الواحد، بما يضمن بناء ثوابت أخلاقية متجددة في عملها، قوية في مصادرها، متوازنة في إدارتها للحالة الخليجية، لا تتغير بتغير الحالة، أو تتهاوى موضوعيتها بمجرد اختلاف وجهات النظر، أو تعتمد على مزاجية الأفراد وتقلباتهم ونظرتهم لمصالحهم الشخصية، ولا يمكن للرياضة الوصول إلى هذا الهدف؛ إلا إذا امتلكت مع مثيلاتها من الفرص الخليجية المشتركة التي تجتمع حولها دوله وشعوبه؛ زمام القيادة والتوجيه الواعي لبناء المواطنة الخليجية، والتزمت بتغذية الإنسان الخليجي الأخلاق الرفيعة والقيم الحضارية الراقية، وتعزيز منظومة الوعي لدى الإنسان الخليجي في كل المواقف والأحداث في طريقة التعاطي مع الأزمة الخليجية الحاصلة وموقعهم فيها، وعدم الزج بهم في قضايا خلافية واهية، وأفكار نمطية، تتغاير مع مبدأ المشترك القيمي والإنساني الذي يجمع بين أبناء المنطقة باعتباره مدخل علاج الأزمات، والتعامل معها بكل مصداقية ومهنية وترفع عن الزلات.
لقد انطلق كأس الخليج 24، وسط تفاؤل بانفراج أزمة تركت الكثير من الآلام والآمال لدى أبناء المنطقة في لم وحدة الصف الخليجي وإعادة مسار العلاقات الخليجية قبل نشوء أزمة الخليج والحصار المفروض على دولة قطر الشقيقة من دول الجوار المكونة للبيت الخليجي، فإن أبناء دول الخليج العربي وفي ظل الأحداث التي مرت بها المنطقة وحالة التنمر السياسي والإعلامي التي باتت تلقي بظلالها على مسار تكوين البيت الخليجي ومؤسساته ينظر اليوم إلى دور المشاركات الرياضية وكرة القدم كمنطلق لرسم تحولات قادمة تشهدها المنطقة لتعزيز أواصر التقارب ومد جسور الحوار وإعادة الهيبة للكيان الخليجي الموحد، وإذا كان للرياضة أن تنشئ هذا الحوار وتبني هذه الآمال وتؤسس لمرحلة التواصل والوحدة، فإن ما رافق هذه الرياضة وكأس الخليج من شعارات ومبادئ وترانيم وأغان تؤكد العمل الخليجي المشترك وتحت شعار “خليجنا واحد” يضع الأشقاء اليوم أمام مسؤولية بناء مسار القوة، وبالتالي كيف يمكن الاستفادة من فرصة إقامة بطولة كأس الخليج في نسختها الرابعة والعشرين في قطر منطلقا لإعادة قراءة المصالحة الخليجية، ليصبح وجود الأخوة الأشقاء في دوحة الخير نافذة أمل لإعادة مسار العلاقات الخليجية وإعادة ترميم البيت الخليجي الذي أنهكته عوارض الأيام وأرهقته تجاوزات السياسة وأعمته مظلمة الإعلام، فاتجهت به إلى الفوضى وأسست لمرحلة أضاعت الكثير من الأحلام لدى أبناء المنطقة، فتصلح الرياضة ما أفسدته غوغائية السياسة والانحراف الحاصل في الرسالة الإعلامية، لتعيد إلى المشهد الخليجي ضمير المسؤولية وأخلاقيات الرسالة التي تحملها بالشكل الذي يضمن إنتاج مرحلة التوازن في المعادلة الخليجية. إن تحقيق المصالحة الخليجية اليوم بات خيارا استراتيجيا، ويصبح الاستفادة من هذه الفرص واستغلال هذا الحدث الرياضي في تصحيح الممارسات السابقة، وتعزيز لحمة البيت الخليجي وزيادة مستوى التواصل والتقارب ومد جسور الحوار بين القيادات الخليجية وإعادة النظر في التوجهات السلبية السابقة في ملفي اليمن وقطر، وتوجيه الإعلام على صناعة تحول في منظومة العمل الخليجي القادمة عبر ما يمكن أن تقدمه الرسالة الإعلامية الرياضية من تحولات نوعية وتوجهات إيجابية تصنع التحول وتؤسس القوة، بما يضمن الوصول إلى شراكات أكبر وتقوية كل الأطر والموجهات والممكنات الإيجابية التي ظلت قائمة لمسد جسور السلام وتعزيز فرص الحوار وحسم مسارات الخلاف والالتزام بمبادئ السلام الدولي، في عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول واحترام السيادة الوطنية وحق الشعوب في تقرير المصير، وتأكيد الوحدة والتضامن والتكامل في مواجهة التحديات والتدخلات ورفض كل أشكال التدخل السافر.
إن الشعوب الخليجية وهي تراقب أحداث كأس الخليج العربي، فإنها تترقب في الوقت نفسه ما تحمله من طموح ورغبة وشوق في مصالحة خليجية تأخذ في الاعتبار كل المحطات الإيجابية في منظومة العلاقات الخليجية وإعادة قواعد العمل الخليجي المشترك بالشكل الذي يضمن استمرارية جهود المصالحة وبناء محطات القوة في أداء المؤسسات الخليجية، ويبقى على القيادات الخليجية أن تدرك القيمة المضافة الناتجة من إقامة كاس الخليج، ليصبح نافذة أمل قادمة في إعادة العلاقات عبر ما يقدمه الإعلام الكروي من تحولات في مسار عمله، وفي تعليقات الرياضيين على أحداث المباريات والتأكيد على كل المحطات الإيجابية التي أسست للتعاون الخليجي واصلت لمبادئ الحوار والتواصل والتناغم في المشترك الخليجي، والمكونات الإيجابية والمشتركات التي عززت من العمل الخليجي المشترك وأطرت لفرص القوة في إنجازات المجلس في منذ تأسيسه، فإن الثروة الأخلاقية والقيمية والحفاظ على التوازن في القرار السياسي والمسار الإعلامي؛ هي القادرة على إعادة رسم ملامح المرحلة القادمة، وكلما استثمرت دول مجلس التعاون الخليجي ودول الخليج العربية هذه المحطات بشكل إيجابي واستفادت منها بشكل نوعي أسهم ذلك في خلق تحول في مسار العمل الخليجي المشترك؛ على أن كأس الخليج العربي لكرة القدم والذي أسسته أيدٍ أمينة مخلصة ممثلة في أصحاب الجلالة والفخامة والسمو قادة دول الخليج العربي؛ أعطى المنطقة أنموذجا إقليميا متفردا لبناء أرصدة التكامل وتقوية مسارات التناغم وإيجاد هندسة التوازن في بناء استراتيجيات عمل قادمة، انعكست إيجابا على المسارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية واللوجستي والعمل الخليجي المشترك، فقد شكلت كأس الخليج استراحة رياضية بنكهة سياسية ووطنية واجتماعي وثقافية وأخلاقية عززت من جسور التواصل بين أبناء الشعب الخليجي واسست لمرحلة القوة في قوة هذه العلاقة والترابط الحاصل بين أبناء البيت الخليجي المشترك، فلم تكن كأس الخليج مجرد نشاط كروي خليجي تشترك فيه دول الخليج في فترة زمنية معينة بل شكل جسر تواصل ومساحات التقاء ومنصات تفاعل ومحطات إنجاز صنعت تحولات كبيرة في مسارات البناء الخليجي ونقل الكرة من سطحية المواقف إلى مد جسور التواصل وما اكتسبته الشعوب الخليجية من الرياضة وكأس الخليج المصحوب في فترات سابقة بتكامل الصف الخليجي ووحدة الهدف في الأطر السياسية والاقتصادية والتبادل التجاري والعلاقات بين مؤسسات البيت الخليجي التي شكلت بدورها مسارا مهما في تقوية الممكنات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية وغيرها.
عليه، هل سيكسب الحدث الكروي الخليجي الرهان في توليد مناخ كروي اجتماعي خليجي أخوي، معزز لكل الفرص الإيجابية للمصالحة، كورقة ضغط على القيادات الخليجية في إعادة مسار المصالحة الخليجية في أولويات العمل الخليجي، ومناخ سياسي وإعلامي راق يلتزم الموضوعية ويؤمن بالحيادية ويدرك حقوق الشعوب في تقرير مصيرها، ويؤسس لمرحلة القوة الأخلاقية في الخطاب الكروي الرصين والكلمة الطيبة المعبرة عن روح النقاء والصفاء ووحدة الهدف وسمو المبدأ، بما يلقي على هذه التظاهرة الكروية الخليجية من آمال وطموحات إن وظفت بشكل صحيح واستطاع القائمون عليها من معلقين رياضيين وإعلاميين ومحللين وصحفيين وسياسيين وغيرهم في رسم صورة مكبرة لمسار استراتيجي يقوم على نقل المشهد الكروي على الأرض إلى مشهد جماهيري يؤسس للمزيد من التفاعل والتناغم والتآلف والحب والتعاون وحس الشعور الإيجابي؛ وهو ما يؤكد أن على الإعلام الخليجي عامة والكروي خاصة أن يعيد إنتاج سياساته الإعلامية الموجهة إلى دول المنطقة بطريقة أكثر احترافية ومهنية تحترم فيها القيم والمبادئ والعلاقات الأخوية ووجهات النظر والاختلاف فيه، وتعبر عن أخلاقيات الإنسان الخليجي المسلم والواعي بما يحيط به من تحديات، وتوجيه الخطاب الإعلامي الكروي والممارسة الكروية على الأرض بشكل يضمن التزامها القيم والمبادئ المشتركة وتحقيقها لقواعد السلوك الكروي الرصين، خصوصا في ظل ما تشهده كرة القدم من حضور نوعي من كل فئات المجتمع ومتابعة واسعة، سواء عبر المنصات الإعلامية البديلة والتغريدات والهاشتاقات المعبرة عن الحدث في تويتر أو غيره من منصات التواصل الاجتماعي؛ أو عبر متابعة المباريات عبر الشاشات الفضائية وغيرها من وسائل الاعلام التقليدي المسموع والمقروء والمرئي والمشاهد، واللغة التفاعلية الحوارية الإيجابية والأخلاقية المتزنة التي تعبر عن الحدث وتنقل صورة المنافسة الخليجية للوصول إلى الكأس الغالية، يستدعي تحولا نوعيا في المسار الإعلامي الكروي وقدرته على رسم ملامح التحول في قناعات وأخلاقيات الإنسان الخليجي، وبالتالي ما يمكن أن تقدمه هذه المعطيات من فرص إيجابية لبروز حلول واقعية وأكثر ارتباطا بالشأن الخليجي في الوصول إلى انفراج في حالة التأزم والعقم السياسي التي يشهدها البيت الخليجي من سنوات عدة، والتي كان لها أثرها السلبي في كل الأحداث التي باتت تضع المنطقة في صفيح نار ملتهب، وتستفيد بعض الأجندة الدولية من هذا الخلاف والشقاق الخليجي الحاصل في المزيد من الخلاف والهوان والضعف عبر ممارسات سياسية غوغائية تتسم بالاندفاع ولغة التشوية والفردانية والسلطوية وفرض سلطة الرأي الواحد وغيرها من الممارسات السياسية التي شكلت منعطفا خطيرا أسس للاغتراب الأخلاقي والقيمي في البيت الخليجي الواحد، وما أفصح عنه الإعلام المسيس لصالح قوى دولية هدفها إثارة الشعوب وتوجيهها في غير تحقيق غايات التنمية وإبعادها عن المسار الصحيح لبناء الوطن الخليجي الآمن، وانتكاسة إعلامية اتجهت بالإعلام إلى السقوط الأخلاقي والنقوق القيمي وأدخلت أساليب الخطاب الإعلامي والأجندة التي يمارسها فيها الإعلاميون أدوارهم، المنطقة في مفترق طرق، سمتها التصادم والتباينات وتوجيه الاختلافات وغرس ثقافة الكراهية وعدم الثقة بما انعكس سلبا على قدرة المجتمع الخليجي وجاهزيته واستعداده في التعاطي مع أولوياته.
من هنا فإن تحقيق مسار المصالحة الذي يحلم به كل مواطن خليجي يستدعي اليوم إيمانا صادقا من قيادات الخليج يصنع الآمال ويبني الأحلام ويحقق الفرص ويصنع الإنجاز، ووعيا استراتيجيا بما تحمله الرياضة الخليجية من فرص لبناء محطات السلام، في وضع الحدث الكروي الخليجي كبديل استراتيجي في مواجهة الإخفاقات السياسية التي يشهدها البيت الخليجي، بحيث تستثمر الأيام الرياضية التي تتزامن مع أحداث كأس الخليج العربي وفعالياتها وأنشطتها في توجيه الجهود القادمة نحو تعزيز مبادئ المصالحة وترقية نموذج العمل الذي يحترم خصوصيات الشعوب وسيادة البلدان ويحفظ مقدراتها ومواردها وتثبيت دعائم التواصل، وفق مبادئ الحق والعدل والمساواة، مرتكزة على مبادئ القانون الدولي والأمم المتحدة والمبادئ المؤسسة لمجلس التعاون الخليجي ولكأس الخليج العربية، مستحضرة كل الفرص والمحطات الإيجابية التي عايشت الإنجاز الكروي الخليجي منذ انطلاقته في سبعينيات القرن الماضي في سبيل تعزيز وحدة الصف الخليجي؛ فإن ما تحظى به بطولة كأس الخليج من رصد واهتمام من المتابعين للشأن الرياضي وغيرهم في ظل مرحلة عصيبة تمر بها منطقتنا الخليجية على المستوى السياسي والإعلامي؛ فرصة لقراءة واقع التظاهرة الرياضية الخليجية بروح رياضية مخلصة تراقب الإنجاز ساعية نحو فتح نوافذ الأمل بدور الرياضة في ترقية إرادة الشعوب وبناء ثقافتها وتعميق حس الإنسانية الراقية في أخلاقها ومنهجيتها وفلسفتها النابعة من مشتركها القيمي والإنساني؛ فإن الشعور الإيجابي الذي حملته منتخبات الخليج العربي جميعها بدون استثناء لتحقيق هذا الطموح الذي أرادته شعوب الخليج العربي في بيت الخليج العربي، لتردد بملء الفم وتصدح بصوت القلب والعقل ما اقتنعت به حتى في أحلك الظروف “خليجنا واحد”، أعطى صورة واقعية مكبرة حول دور كرة القدم في صناعة السلام وإنتاج التعايش وترسيخ قيم التواصل والحب، ونقل مفهوم الكرة المجرد إلى ثقافة حوارية تفاعلية ترقى بالإنسان وتحافظ على خصوصيته، وتحترم فكره وتبني مهاراته، بما يزيل عنه حالة الكدر والمشاعر السلبية وثقافة الكراهية التي ألصقها الإعلام الفئوي في مسيرة الأوطان ودنس بها البناء الفكري للمواطن الخليجي، فاستطاعت لغة الرياضة بناء محطات تغيير للذات وإعادة صياغة هندسة الأفكار التي تراقب الكرة، لتصنع منها رابطة حضارية لمد جسور التواصل، وتعميق صفو العلاقات وسمو الغايات ونبل الصفات، حتى أنتجت في الوقت نفسه قراءات وتحليلات متزنة وموضوعية ممن يحملون قيمة الكلمة وصدقها على أكثر القنوات الرياضية الخليجية بما يبعث الأمل ويعزز من لحمة الكيان الخليجي، منطلقا لإعادة هيكلة الواقع الرياضي ورسم ملامح القوة في الرابطة الرياضية الخليجية، والتي بإذن الله سيكسب الحدث الكروي الخليجي فيها الرهان، ويعيد خلالها مسار التوازن ويبني محطة تحول قادمة تنعكس على المسار السياسي والإعلامي، فتتراجع أمام شموخ الإرادة الخليجية كل منغصات التكامل الخليجي ومسببات الخلاف وفجوة التباين الحاصلة في اليات العمل، وسيبقى المسار الخليجي منتصرا بتآلفه وتكاتفه وتقاربه، خير أمل يبعث على الانفراج، وأفضل نهج يحمل في ترانيمه بوح الأخوة ونبض الخليج.

[email protected]

أخبار ذات صلة

0 تعليق