الثالث والعشرون: العمانيون .. قيم الحرية عززت القوة العسكرية

الوطن (عمان) 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

إشراقات عمانية
سعود بن علي الحارثي [email protected]

سعود بن علي الحارثي

لقد ساهم اهتمام والتفات الأئمة والحكام العمانيين بتجهيز وتدريب الجيش وعنايتهم البالغة ببناء قوته البرية والبحرية، وتطوير وتعزيز إمكاناته ونظمه وأسلحته والإشراف على تدريب وتأهيل أفراده، وتشييد الحصون والقلاع والأبراج الدفاعية والأسوار العالية … في استقلال بلادهم ومعاقلهم ومدنهم لقرون من الزمن والدفاع عنها وتحريرها من الغزاة والطامعين والمعتدين كلما تعرضت عمان للهجوم الشرس وللحملات المتواصلة من الغرب والشرق، وكلما حاولت جيوش المستعمر الاستيلاء عليها أو ضمها إلى دولة الخلافة حينا وإلى قوى إقليمية ودولية حينا آخر، وكان لذلك الاهتمام الفريد والرؤية السديدة والقراءة الواعية الفضل في الإنجازات والمكاسب الكبيرة التي حققتها الدولة العمانية في تطهير المنطقة برمتها من الاستعمار البرتغالي الذي وطئت قدمه محيطها الإقليمي، والاستجابة لأي نداء استغاثة يصل طالبا العون والمساعدة من القوة العمانية لإحباط اعتداء أو تحرير أرض ألم بها استعمار وظلم، البصرة ـ سقطرى ـ مناطق شرق إفريقيا .. على سبيل المثال لا الحصر، ونجح العمانيون بفضل أسطولهم العتيد وقوتهم الضاربة في تأسيس حضارة لها قوتها وسطوتها ونفوذها الواسع، وفي مراحل تاريخية اتسعت مظلتها السياسية والتجارية والبحرية، حيث ضمت بلدانا ومدنا وشعوبا وبحارا شكلت في مجملها جسر تواصل وتعاون بين قارتي آسيا وإفريقيا وأحدثت تعايشا سلميا بين بشر ينتمون إلى لغات وأديان ومذاهب وأعراق قل نظيره، وقدمت صورا ومشاهد رائعة لنجاح وازدهار التعايش السلمي والانتماء العميق للأرض في فضائها الواسع بحارا ويابسة والدولة بمؤسساتها وقطاعاتها وإشرافها على كل ذلك الفضاء، سجلت للعماني قدرته على التحاور والتعاطي مع مختلف الأعراق والثقافات والمذاهب، وشكلت منارة علم أسهمت في تحقيق التطور في شموليته، وتقديم نموذج إنساني متميز في رقيه وتحضره يستحق أن يستفاد منه، وأن يحتذى به في وقت تعصف فيه رياح الفتن والصراعات والضيق بالآخر ومحاولة إقصائه ونبذه بالأمتين العربية والإسلامية. إن تمسك العمانيين وعشقهم وانحيازهم إلى قيم الحرية والإباء، والرغبة في الاستقلال بالرأي واتخاذ القرار وإدارة شؤونهم بأنفسهم وتأسيس نظام حكم خاص يتوافق مع ثقافتهم وبيئتهم وطبيعتهم ويلبي تطلعاتهم وطموحاتهم ويعزز لديهم روح الاستقلالية، وموقع عمان المميز وتعرضها للحملات العسكرية المتواصلة، جميعها، كانت دافعا وعاملا أساسيا لاهتمامهم بتأسيس وبناء قوة تحمي البلاد من أي عدوان وضمان استقلالها من أي هجوم أو غزو خارجي والسعي المتواصل في بناء وتعزيز الوحدة الوطنية، وفي المشهد المعبر عن هذه الحقيقة يتحدث تاجر أميركي بإعجاب عن قوة السلطان سعيد التي صحبته إلى زنجبار حيث تكونت من (سفينة بها 64 مدفعا وثلاث فرقاطات مزودة لكل منها بـ36 مدفعا وسفينتين بكل واحدة منها 14 مدفعا وحوالي مئة مركب تقل 6000 فارس)، وهي جزء من كل وقوة صغيرة من عدد من القوات انتشرت في المدن والمناطق والبحار التابعة للامبراطورية العمانية، شهادة ينقلها التاريخ المضيء لحضارة عمانية تتضمن الكثير من الدروس المفيدة للتعامل مع عالم اليوم، وفي مشهد آخر جدير بالاحترام ومعبر عن حقيقة الاهتمام العماني بالقطاع العسكري، يوجه القائد البرتغالي، الذي جاء إلى عمان غازيا نحو عام 1700م، رسالته ـ المليئة بالوعيد والتهديد ـ إلى الإمام سيف بن سلطان قيد الأرض: (تعلمون أننا نحن جيش الله, وقد خلقنا أداة لعقابه الإلهي, ووهبنا السيطرة على الذين يحل بهم سخطه. إننا لا نرحم من يشكو, أو نشفق على من يبكي, فقد نزع الله الرحمة من قلوبنا, والويل كل الويل لأولئك الذين لا يمتثلون لأوامرنا ؟ لقد دمرنا مدنا, وقضينا على أهلها, وأفسدنا في الأرض.. وعليكم قبول شروطنا, وإذا كانت كلماتنا غير مقبولة لديك فيبدو بالتأكيد أنك ظالم؟! إن قلوبنا قدت من حجارة, وأعدادنا كحبات الرمل, ونحن نحكم الدنيا من مشرق الشمس إلى مغربها.. فأجيبوا رسالتنا قبل أن تتمزق جباهكم, ولا يبقى منكم شيء..). ويرد الإمام سيف بن سلطان اليعربي, الملقب (بقيد الأرض), على هذه الرسالة في هدوء وثقة قائلا: “قل اللهم مالك الملك, تؤتي الملك من تشاء, وتنزع الملك ممن تشاء, وتعز من تشاء, وتذل من تشاء, بيدك الخير, إنك على كل شيء قدير”. صدق الله العظيم. لقد طالعنا رسالتكم التي تقول إن الله انتزع الرحمة من قلوبكم, وتلك واحدة من أقبح أخطائكم, بل أسوئها وأبشعها. وأنت تلومنا وتقول أنتم المسلمين الكفار, ألا لعنة الله على الكافرين. فالذي بيده البذور لا تهمه الفروع. إننا نحن المؤمنين حقا, ولن يعصمك الهرب منا, ولن يعترينا أي شك أو تردد. لقد أنزل الله علينا القرآن, وكان الله دائما رحيما بنا. إن خيولنا وأساطيلنا ممتازة برا وبحرا, وعزائمنا سامية ورفيعة, ومن ثم فإننا إذا صرعناك فسيكون هذا عملا صالحا, وإذا قتلنا فلن يكون بيننا وبين الجنة إلا لحظة “ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون* فرحين بمآ ءاتاهم الله من فضله” وأنت تقول إن قلوبكم كالجبال, وأعدادكم كالرمال, والله مع الصابرين.. وهكذا, فإن لدينا القوة التي تسمو على الرغبة.. فإذا حيينا فسنحيا سعداء, وإذا متنا فسنموت شهداء “فإن حزب الله هم الغالبون” لقد بلغتم أمرا تكاد السماوات تتفطر منه, وتنشق الأرض, وتتهاوى الجبال وتتحطم .. فقل لسيدك إنه حتى إذا رصع رسالته بالجواهر, وأقام موضوعه بعناية, فإن حقيقة هذه الرسالة ليست إلا كصرير باب, أو طنين ذباب “نكتب ما يقولون وسنطيل عذابهم” وليس لدينا بعد ذلك ما نقوله إلا أن الجبال تمطركم وابلا، والنار تكشف العار, والسيوف تشحذ على الأعناق.. والسلام على من اتبع الهدى, وخشي عذاب الجحيم, وأطاع الله مالك الملك, وفضل الآخرة على الدنيا.. والصلاة والسلام على خير الخلق محمد صلى الله عليه وسلم). في هذا الموقف المفعم بالقراءات المثيرة والعلنية التي لا تحتاج إلى بحث واستقراء وتحليل ينقب فيما بين السطور والكلمات، فالمشهد صاخب بالحياة وبالروح المعنوية العالية التي يتمتع بها العمانيون، والرسالتان اللتان أوردتهما كتب التاريخ لا تحتاجان إلى تعليق وهما من الوضوح للقارئ والمطلع بحيث لا تحتملان التحليل والقراءة، غرور وصلف وقبح القائد البرتغالي ووهمه بأن تهديداته المنفوخة بالكلمات النارية سوف تصيب الإمام بالرعب والخوف والاستسلام، يقابلها إيمان وقوة وحكمة وصلابة قيد الأرض الذي استند واتكأ في رده البليغ على مكانته القيادية ومسؤولياته في الدفاع عن وطنه وعن حقوق مواطنيه وثقته في جيشه المعد المدرب المجهز لمواجهة العدو وعلى ما لديه من قوة السلاح والعتاد للمعركة الفاصلة، وعلى مبادئ وقيم لا يمكن التفريط فيها: الحرية والاستقلال والجهاد وحب الوطن، ولا مكان لحياة كريمة بدونها، وفي رده على رسالة القائد البرتغالي فإن الإمام قيد الأرض قد درس الواقع بكل تفاصيله سياسيا واقتصاديا واجتماعيا واستعدادا عسكريا، فقد أظهر العمانيون كما أشرنا اهتماما كبيرا بالجانب العسكري وحرصوا على تشكيل قوة قادرة على حماية الوطن من الاعتداءات، وهو ما أفادهم في مواجهة شراسة وعنجهية وقوة المستعمر ومكنهم من المواجهة والدفاع وتحقيق الانتصارات تلو الانتصارات برا وبحرا، وفي بحث لعبد الرزاق علي عثمان في ندوة برأس الخيمة عن الاستعمار البرتغالي، يقول فيه بأنه في عام (1699م اتجه أسطول عماني إلى ممباسة وموزمبيق ثم انسحب، وتبعه توسع برتغالي في الساحل حيث استولوا من جديد على سيوى ولامو وماندا، وارتكبوا أفظع الجرائم ضد المسلمين لدرجة أنهم اتخذوا من مسجد باتا إسطبلا لخيولهم، مما دفع الإمام اليعربي إلى إرسال أسطول تمكن من تحرير باتا فانسحب البرتغاليون إلى موزمبيق عام 1697م بعد حصار دام شهورا عديدة عانى البرتغاليون خلالها كثيرا من المآسي، سواء في نقص المؤن أو المعدات الحربية أو في الخسائر البشرية، إضافة إلى الظروف النفسية التي عاشوها خلال الحصار خصوصا بعد فشل كل المحاولات البرتغالية في فك الحصار، مما أدى في النهاية إلى سقوطها في يد العمانيين). وقد بلغت القوات البرية في نزوى وحدها في فترة إمامة الإمام المهنا بن جيفر اليحمدي (840 – 851م)، على سبيل المثال (سبعمائة ناقة وستمائة فرس متفرغة للاستجابة لأول صارخ, بينما عساكره بنزوى وحدها بلغت عشرة آلاف مقاتل, أما القوة البحرية فقد بلغ عدد سفن الأسطول في عهده ثلاثمائة مركب معدة لصد القوات الغازية…). وفي عهد الإمام الصلت بن مالك الخروصي (851 – 885م)، (بلغت القوات البرية حوالي 20 ألف من الإبل, و10 آلاف من الخيل, وبلغ عدد سفن الأسطول العماني ألف مركب), وأرسل هذا الإمام أسطولا بحريا قوامه مائة سفينة محملة بالرجال المقاتلين لتحرير جزيرة سقطرى من الأحباش الذين احتلوا هذه الجزيرة وعاثوا فيها فسادا. المعاني والدلالات والمضامين العميقة في هذه المواقف والصور والأمثلة عندما نسقطها على الأحداث التي تشهدها منطقتنا العربية اليوم، فإنها تجيب على عشرات الأسئلة عن جدلية: الحق والباطل، القوة والضعف، الوحدة والتمزق، الخير والشر، الهمم والإرادة والتهاون والكسل. تحمل المسؤولية أو التفريط فيها، الإعداد والاستعداد للمستقبل أو الإهمال والاستهتار… ونتائجهما وآثارهما على الأوطان والشعوب, فعلينا أن نحسن قراءة التاريخ وأن نستلهم دروسه، وأن نوظفها في معالجة إشكالات الحاضر وتحدياته.

أخبار ذات صلة

0 تعليق