ليبيا .. مخطط توطين المرتزقة

الوطن (عمان) 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

فوزي رمضان
صحفي مصري

قد يبدو للعيان أن مباراة الصراع داخل الملعب الليبي قد تنتهي مع تقدم قوات الجيش الوطني الليبي نحو طرابلس، لكن كثرة أقدام اللاعبين وتعدد كرات القدم، بالخلاف مع قانون اللعب، قد تمتد معه المبارة إلى ضربات جزاء ترجيحية، وإلى أوقات إضافية. قد يتخيل البعض أن فايز السراج وخليفة حفتر هما فقط طرفا الأزمة، بل تعددت القوى الدولية والإقليمية، والتي بات معظمها يشجع اللعبة الحلوة، ورغم أن المواقف الدولية تطالب بوقف القتال، إلا أنها تنتظر من يحسم المعركة على الأرض لتصفق له، ومن ثم تبدأ جولة أخرى من الاستقطاب والابتزاز.
المجتمع الدولي يرغب التعاون مع طرف قوي في ظل انتشار الجماعات الإرهابية والمتشددة في بعض المناطق، خصوصا بعد فشل حكومة الوفاق، المعترف بها دوليا من قبل الأمم المتحدة، في إحراز أي تقدم لإنهاء حالة الفوضى التي تشهدها ليبيا منذ 2011، بل باتت رهينة لتلك الجماعات المسلحة، وإن كانت تسيطر على قوات مصراتة المسلحة بالمعدات التركية، تحت إمرة فتحي باش اغا، الذي يتولى وزارة الداخلية في حكومة السراج.
في المقابل يضم الجيش الوطني الليبي جنودا من قوات نظام القذافي والقبائل المتحالفة معه، خصوصا قبائل ترهونة التي يقدر قوامها بعشرات الآلاف، والتي تدعمه بالعتاد والأفراد، ويرغبون في مساندة حفتر أخذا بالثأر من مصراتة وقوتها التي أطاحت بالقذافي سليل قبيلتهم وأعدمته. ومع المساندة الشعبية، وامتلاكه طائرات حديثة بدعم مصري إماراتي، أكسبه التقدم السريع والاستحواذ على أكثر من 95% من الأرض، والسيطرة على كافة منابع ومصافي النفط الليبية، ويتقدم بثبات نحو العاصمة طرابلس مقر حكومة الوفاق، وهنا من يحسم معركة طرابلس سيكون له اليد العليا والطولى في ليبيا.
حفتر يقف على أرض صلبة، خصوصا أن روسيا تلعب في ليبيا نفس الدور الذي لعبه الرئيس بوتين في سوريا، حيث لعبة معادلات القوى على الأرض السورية، والانحياز بكل ثقل إلى جانب الجيش العربي السوري والرئيس بشار الأسد، لذلك لن تسمح روسيا بسقوط الجيش الوطني الليبي وقيادته.
لعبة المصالح والثروات تدفع تركيا للانتحار في ليبيا، رغم سابق معرفة الرئيس التركي بتعدد الدول والأطراف المساندة لحفتر، بما فيها الرئيس الأميركي ترامب، الذي هاتفه سابقا وأكد له مساندته فيما أسماه الحرب ضد الإرهاب. كما تعلم اسطنبول أن مصر التي تملك جيشا قويا تعتبر ليبيا عمقها الأمني الغربي، لذا لن تسمح بنشاط الجماعات المسلحة تهدد حدودها. ورغم ذلك وفي تحدٍّ واضح، وقع أردوغان مع حكومة السراج، التي تسيطر على الجزء الضئيل من التراب الليبي مذكرتي تفاهم الأولى بترسيم الحدود البحرية في المتوسط للحصول على الغاز، والأخرى عسكرية، أبرز بنودها إرسال قوات ومعدات حربية لحكومة السراج لحسم صراعه مع حفتر.
قد يغفل الرئيس التركي أردوغان أن إرسال قوات ومعدات عسكرية إلى لبييا سيكون له الثمن الباهظ، وسيكلفه الكثير أيا كانت النتائج، لكن لا يشغله سوى إقامة قاعدة عسكرية في طرابلس، على غرار الموجودة في الدوحة ومقديشو، لتقاسم كعكة غاز المتوسط مع دول الحدود البحرية، ويحدوه الأمل في اقتناص فرصة اقتصادية وتجارية للشركات التركية عند إعادة إعمار البنى التحتية الليبية المدمرة بالكامل، مع ترويج مبيعات الأسلحة التركية للعناصر المسلحة، ودعم جماعة الإخوان المسلمين في ليبيا بعد سقوطها في مصر.
يشهد الملعب الليبي نزول عناصر كثر من المرتزقة الباحثين عن المال من كل صوب وحدب، وينبئ عن حرب بالوكالة وقودها مرتزقة؛ آلاف المقاتلين من قوات الجنجويد السودانية، وأكثر من 800 مقاتل من عناصر مهمات فاجنر الروسية، في حين بدأت تركيا إرسال مقاتلين من إدلب السورية مقابل 2000 دولار شهريا، إضافة إلى مقاتلي الإيجور من تركستان، وتم إرسال الآلاف منهم إلى مصراتة عبر رحلات جوية تابعة لشركة طيران خاصة، يمتلكها عبد الحكيم بلحاج القيادى في الجماعة الليبية.
قد يشهد العالم مباراة دموية تتحول فيها ليبيا إلى مستنقع كبير، ومجمع شتات ومهبط الوطن الموعود لكافة المرتزقة والإرهابيين والجماعات المسلحة، والميليشيات المأجورة والتنظيمات المتطرفة وشركات الأمن العميلة ولوبيات المصالح، تصبح ليبيا فيها سوقا متناميا للسلاح، وحقل تجارب للأسلحة الفتاكة المحظورة دوليا، سيكون وبالا على كل دول الجوار الليبي، خصوصا مصر وتونس والجزائر. الآن تحاول أطراف الصراع التقدم على الأرض لكسب المواقع قبل مؤتمر برلين المزمع انعقاده هذا الشهر، فالجيش الوطني يتقدم معظم محاور القتال ساعيا لاستنزاف قدرات الميليشيات قبل دخوله طرابلس، فيما تركيا تقيم بشكل سري جسرا جويا لنقل كافة الآليات العسكرية والجنود المرتزقة حتى تتمكن من دعم أنصارها وكسب موضع قدم، بينما حقيقة الأمر أن عمليات الجيش الوطني الليبي قد رسمت خريطة جديدة للصراع في ليبيا، وفرضت أمرا واقعيا يغير من إدارة صراع المجتمع الدولي على الحالة اللبيبة، إلا أن نذر الحرب الإقليمية باتت وشيكة، خصوصا أن معظم الدول العربية ترفض التدخل العسكري التركي بهذا الشكل السافر في الشأن الليبي.

أخبار ذات صلة

0 تعليق