وقفة في مفترق عامين متظاهريْن

الوطن (عمان) 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

علي عقلة عرسان

الزَّمنُ محيطٌ سرمدٌ مُمتدٌّ مدى دهر الدهور بتواصل من دون فواصل، محيطٌ رهو الماء سرمديُّ السيرورة.. لكن الخلق يقسمونه على هواهم فيصنعون عصورا وألفياتٍ وقرونا وسنين وشهورا وأياما.. ويمضون إلى الثواني يقسّمونها إلى ستين جُزءا من الثانية، وربما ذهبوا ويذهبون في العد والتفصيل والتقسيم إلى أبعد من ذلك.. ونحن اليوم على مفترَق عامين مما يَعدُّون. وفي وقفةٍ عند مفترَق العامين المتظاهرين، الذاهب والقادم، أقارب ذاتي فأراني اثنين في واحد أو واحدا في ثنائيِّ.. والثنائيات كثرةٌ كاثرة في الحياة جريا على ما يعدّون..
في داخلي شخصٌ يراقبني ويراقب العالم بي كأنني أداته أو مرآته أو المجهر الذي ينظر من خلاله ليكتشف ما وضعه تحت الاختبار.. شخصٌ يدقق بكل ما يمر بي، وبما تتصفحه عيناي، وبما يخطر على بالي وما أحلُم به وأتوق إليه وأتمناه.. يَقرؤني ويشرِّحني ويفسِّرني كما يرى ويريدني على هواه. آنا يسايرني وآنا يناكفني.. يعترض ردود فعلي على ما يعترضُني أو يُعرَضُ عليَّ أو أَخْرُصُ به، ويعيد النظر فيما أقدِّر وأقرِّر فيسمح أو يمنع.. رقيب عتيدٌ من نوع عنيدٌ شديد فريد؟!
يُصاولني ويرفض رفضي لمراقبته لي، ويصر على أن يُملي عليَّ كيف أتعامل معه ومع الآخرين، بل كيف أفكِّرُ وأقدِّر وأدبِّر.. يراني غريبا عجيبا آنا أحتاج إلى إعادة عجنٍ وخَبْز.. وإذ أضيق به وأكاد أصرخ أن “دعني وشأني”، يبتسم ويتظاهر بأنه يحتشم، ويلبس ثوب الحكمة ويتربع على عرش القاضي “يشرح وينصح..”، وحين لا أستجيب يعنِّفُني حتى ليكاد يُصنّفني متمردا ويبدو كمن يشرف على نطع ممدود وبيده سيف مرفوع.
حين يراني ممتثلا لحقيقة أن الحياةَ تكليفٌ واختبار وامتحان وابتلاء، وتحتاج تسليما من المخلوق لمن خلق، بكل معاني التسليم وأبعاده ودِلالاته فالله هو الذي كلف وقدَّر وهَدى، وخلق الموت والحياة ليبلوَ البشرَ أيّهم أحسنُ عمَلا.. يَصْفُن ويحتسب. أقول له إنني أمضي في عالم مجهَل لا أملك دروبه ولا منارات في تلك الدروب، وأنني أضيع وأشقى إذا اعتقدت أنني الهُدى والمهدي والقدرة والخبرة، فيبقى صمتا ينغل بالكلام، ثم يوسوس لي ويحاول أن ينقض معماري المعنوي وتوكّلي وتوجّهي وتسليمي.
يقاربني ذلك الشخص ويحنو عليّ في حالات ويبدو حفيا حميما، ويسندني في بعض الأوقات ويدفعني قُدُما فأشعر بامتلاء وقوة وأرفع رأسي وأمشي بثقة وأكاد أختال.. لكنه لا يلبث أن يزلزلني بنكوصٍ عن الإسناد والدفع لا أعرف سببه ولا مداه ومبتغاه ويبدو كمن يعبث بي فأهمَدُ بعد انتعاش، وأنكمش بعد انتفاش، وأميل إلى أن أستغني عنه وعن إسناده لي وعن تصالحه معي.. ففي حياتي لم أبحث عمَّن يسندُني أو أعتَمد على مَن أسندُ به وجودي، وأقول لنفسي “مَن لا يقف إلَّا بسَنَدٍ يسقط إذا زال عنه السَّنَد”، فأرضى بما أنا فيه وما أنا عليه وأعود سيرتي التي ارتضيت.. لكنه لا يدعني وشأني بل يناور ويداور ويحاور، وينجح في أن يقترب مني ويقترب ويقترب حتى لا تكاد تفصل بيننا مسافة ويشعرني بأنه لا يترصدني وليس عينا عَليَّ، ويماهيني حتى يذوب فيَّ وأذوب فيه، يشعر بشعوري، ويتألم لألمي، ويعيش حزني وإشفاقي على من يُبكِّيني شقاؤهم وتُجْحِمُني أوضاعهم وتشغلُني مصائرُهم.. فيبكي مثلي ويبكي عليّ ويُبكيني عليه..
وفي أحايين يطاولني وينوف عليَّ قامةً وهامة، ويتمدد في داخلي ظلا عملاقا يشمخ ويتشمرخ، ويغريني بما هو عليه من حال، بل يطلب مني أن أفعل فعله وأندفع اندفاعه لا أن أكتفي بالتماثل معه.. وعندما لا أستجيب وأذكِّره بأن “المؤمن لا يلدَغ مِن جحرٍ مرتين” يروغ ويكرّ عليَّ، يجادلني فيما يعرضه عليَّ بحجَّة أنني مدعوٌّ للاختيار والفعل والمبادرة بل مكلف بذلك تكليفا، وأنَّ عليَّ أن أفعل ما أستشعر ضرورته وما يجعلني أحيا ذاتي وأفكِّرُ وأقرر بحرية فأنا مسؤول والمسؤولية تستدعي الحرية وتقتضيها، وأن عليَّ أن أقوم بما أرى أنه واجبي في التأمل والتبصُّر والتدبّر ومن ثم أختار وأمضي إلى تنفيذ ما اخترت بهمة وعزم، عملا بـ”وهديناه النجدين”، فأنا أختار بحرية والحرية اختيار، وإعمال الاختيار حرية وواجب، وتحمُّلُ مسؤولية ما نختار يعطينا القيمة البشرية ويشعرنا بقيمة الحياة وبدور لنا فيها وبقدرتنا على التقدير والتغيير لا على الانصياع لكل نير باسم المقدَّر.. فنحن نُسأَل عما نفعل وعما لا نفعل.. ونُسأل لأننا اخترنا وإلا فلا معنى لأن نُسأَل ما دمنا لا نختار فنحن الخلق الأجمل والأقرب إلى الأكمل، وقد فضَّلَنا الخالق على ما خلقَ تفضيلا، ولسنا كدابَّة الأرض.. إننا لم نُخلَق عَبثا ولن نُترك هملا؟! يُروضُني ذلك الشخص الذي في داخلي، يروِّضني وأُروِّضه، يقلِّبُني وجها إلى قفا وأُقَلِّبه، ونستمرُّ في جدال وسِجال وكَرٍّ وفَرٍّ ولا نفترق.. نبقى في قَرَن واحد، تحت نير واحد، نمشي في درب واحد، ونلهَج بلسان واحد، وننتظر مصيرا واحدا..
أنا وهو نشكل ذلك الثنائيّ “الآمر الناهي، الزَّاجر السَّاهي، المتواضع المُباهي، المُتمرِّد المُترمِّد”.. حين أتينا إليها صرخت وابتسم، اعترضت واستكان، رضعنا وكبرنا و”مشيناها خُطى كُتُبت علينا”، سلكنا دروب الحياة خطوة خطوة وجَرعْنا حلوها ومرَّها دمعة دمعة.. والآن نحن اثنان في واحد وواحد فيه اثنان.. نتفاعل ونتصاول ونتماهى في كل بقاع المكان ولحظات الزمان.. أناي اثنان يتناوبان يتفاعلا يتصارعان يتماهيان..
فيا لنا من “ثُنائيٍّ” يعيش عالمين متظاهرين، عالم يمضي وعالم يجيء.. وفي مقترن كل عامين واحد يمضي وواحد يأتي، أقف باسمه واسمي عند عتبة عالمين عالمٌ خلفي يتباعد عني حتى لتكاد معالمه تختفي، وآخر أمامي يتراءى لي ويقترب مني ويستولي عليّ.. وأدْلُفُ من عالم عَلِمت بعض ما فيه إلى عالمٍ مَجْهَل لا معالم ولا مُرتَسَمات له لا في رأسي ولا في وسواسي ولا حتى في شطَحات خيالي.. عالمٌ لا طعم له في فمي ولا يضبطه لي مِخيال وأتوجس منه خيفَة أينما توجهت في حل وترحال.. فكل مجهول يثير مخاوف من نوع ما قد تُذْعِرُ الذُّعْرَ وتبلبل البال.. عالمي الذي أغادره تَفرُّ ذكرياتُه مني ولا أذكر سوى أنني أغادره وبي منه مِلحٌ في الجرح ومنقوعُ عَلقمٌ في الحلق وأمشاج ذكريات ممزوجة بالأشجان، وعالمي الذي أدخله وعدٌ ووعيد وتصهال أقدار وفرسان.. في عالمين أنا، عالم يَدُعُّني وعالم يجْذبني.. ذاك الذي يَدُعُّني يفرُّ من وعيي وهذا الذي يجذبني لا تبصره باصِرَتي ولا تعيه بصيرتي.. فأي ضياع لكائن كل ما كان له وفيه وما سيكون منذورٌ لضياع في ضياع والتياع في التياع..؟!
التآكل الداخلي الذي ينهشني وأعيشه آلام أوجاع، ولوعة إقصاء، ورغبة في انبلاج فجر ضياء يجلو لي ما يحتاج إلى جَلاء.. أظنه لا يشملني وحدي بل يشمل غيري من أبناء جيلي وأبناء أجيال بعدي، ويشمل شعبا ووطنا بل يشمل أمة بأناسها وأقطارها فيما أرى.. أمَّة تحفظ مآثرَها المعرفية والعلمية والأدبية والفنية وتاريخها وآثارَها ومآثرَها خزائنُ الأمم، ويصدح لسانها بأفصح لسان وأقومه وأعذبه من بين لغات الأمم.. يصدح بين المحيط الأطلسي والخليج العربي، ويمتد زهوُ حرفها ولسانها وإبداعها من ما قبل الشاعر الفحل امرئ القيس بن حجر بقرون وقرون إلى ما بعد الراهن بقرون وقرون وقرون، إذ لا يمكن تحديد الخلود بزمن معدود، ولا يمكن لعدِّ الزمان أن يزيلها وما صنعت من دهر غير محدود.
عند مفترق السنين أغصُّ وأَذهَل، وما يغصِّصُني ويذهلُني أن حصيلة حضور الأمة هذا عبر عصور مضت، يترجمه فاعلون غُفْل وغافلون جُهْلٌ وآمرون ذاهلون وعابثون بالإنسان والعمران سطحيون بغاة وموالون لأنيَّتهم وأنانيتهم ولطغيان، يوجههم أعداءٌ تاريخيون لأمتنا العربية وعقيدتنا وهويتها وانتمائنا، ومستهدِفون لوجودنا يريقون دم أبنائها ويستهترون بأرواحنا ومصائرنا.. يترجمونه اليوم قتلا واقتتالا بيْنيّا في حرب على الأمة وتدميرا لمقوماتها وقيمها، ويتمددون بغيا بغباء ويحصدون الأرواح بأيديهم وأسلحتهم وأموالهم وبقدرات الأعداء ولصالحهم.. فيمتد فعلهم دماء في البطحاء، وظلما في الأرجاء، وغثّا من الرأي والتفكير والتدبير، وغثاء يغطي رمال البر وشواطئ البحر، وينتشر في فضاء العالم إدانة ومهانة وشجى يشكل أديم الوجوه والأجساد في أرض شاسعة تبلع أبناءها وعمرانها..
ومن حسرة وأسف ومقت أن الأمة تسلم أمرها لمن يوردها موارد الهلاك، فيجعل معظم ما لها وما في وجودها مِن إرث عظيم وثروات هائلة وطاقة فاعلة وفاعلين منتمين.. يجعلهم في تضاد عبثي دموي مقيت ويوظَّفهم ويوظفها ضدهم وضدها في نهاية المطاف.. وهي سادرة تنتخي أمامه وتَنِخُّ له.. تتواكل وتتآكل ويُهدَر دم أبنائها وتُسرَق أموالها وثرواتها بتواطؤ ساسة ومسؤولين فاسدين مفسدين مع أعداء نهابين وطامعين جشعين من الغرب والشرق.. فتسيل أنهار خيراتها وقدراتها وترفد سواقي أعدائها فيقوون وتضعف، ويزدادون شراسة وإجراميا وفتكا وتزداد ترديا وفقرا وقهرا.. ويستمر ذلك الوضع البئيس عاما بعد عام، وعهدا بعد عهد، وجيلا بعد جيل، ويكاد يرسم شكل العالم لها وصورة العالم بنظر أبنائها.. ويستمر مسلسل التهشيم والتهميش والتيئيس، ويقود من فشل إلى فشل، ويؤدي إلى تخلف واقتتال يغرقها نِحَلٍ وشَلَل وفي مِحَنٍ وفتَن وعداوات تقيم، وحكم تبعيِّ سقيم، وفقدان حكمة وعدلٍ، واستنزاف دائم لما يتبقى مِن طاقاتها وثرواتها وقدراتها وأموالها وآمالها.
وحين يفتُرُ ذهولي وأعود إلى ذاتي أو إلى بعض ذاتي أسائلُها وتسائلني ونقارب ما نتمناه، أتساءل: “يا ذاتي.. هل تكون تلك طبيعة الخلق وحكمة الخالق.. هل هو القدر المَقدور أم الاختيار الحُرّ المسؤول؟! أهذا نحن وهذا ما نؤمن به وما ننذر أنفسنا له..؟! هل خُلقنا لهذا وكنا هذا؟! هل نحن في اختيار أم في اختبار أم في أنواع من النكوص والإدبار، وفي ظُلَل بعد ظُلَل وغشاوات فوق غشاوات تصيب الأبصار والبصائر وتفتك بالعقول والضمائر.؟! ما الذي يفيدنا في وضعنا الذي نحن فيه؟ هل تنفع التوبة إن تبنا ومَن ذا الذي عليه أن يتوب وينبغي أن يؤوب إلى الرُّشد والعدل.. يا ذاتي: ” كُلُّ بَنِي آدَمَ خَطَّاءٌ وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ “، فأين هم التوابون؟!.. التوبة النصوح، والندم الخلوص، والألم الممض، كلُّ ذلك يغسل أدرانَ الروح ويطهّرها تطهيرا.. لكن هناك مَن يغتسلون بالدم من الدم ويوغلون في الإثم ويلجون أبواب الظلم ويقتلون العباد وينشرون في الأرض الفساد والإفساد.. وفي أنفسهم صائحٌ يصيح “طهِّروا الأرض تطهيرا”، ويرون أنهم بالفتك يتطهرون، وهناك مَن يغتسلون بالماء ويتوضؤون ويهجسون بما يليق وبما لا يليق وهم يصلّون وفي أنفسهم صائح يصيح “إن مع العسر يسرا”، وهناك مَن يتخلّصون من آثامهم وذنوبهم بالتوبة والأوب إلى العقل والعدل والحق، ويَصلُحون بعد فساد في أنفسهم صائح يصيح “إنَّ الله غفورٌ رحيم”، وهناك بعض الصالحين وقليل ما هم لا يظلِمون ولا يَأْثَمون وفي أنفسهم صائحٌ يصيح “ربنا اغفر لنا ذنوبنا، وارحمنا، وتقبلْنا في عبادك الصالحين”.. وقليلٌ ما هم.. يا ذاتي “الماء يزيل أوساخ الجسد ويفتح فيه مسامَّ خاصة تساهم في انتعاش النَّفس فتتَنفُّس الروح.. التوبة النصوح تلجُم شرور الأنفس وتحول بينها وبين البغي والغي والإثم والشر، وتزيل بعض أدران الإنسان.. فأين هم التوابون؟!.. فسبحان الله الذي خلقنا وأحسن خَلقنا، وصوَّرنا فأحسَن صُوَرنا وهو أحسن الخالقين، وسبحانه الذي قدَّر وهَدى، وخَلَق موتا وحياة ليبلونا أيُّنا أحسنُ عملا.. ولو شاء غير ما نحن عليه لكان، فأمره “كن فيكون”.. سبحانه هو القائل: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنكُم مَّلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ ﴿٦٠﴾ – سورة الزخرف.. سبحانه، له الأمر وإليه المصير.. فيا ذاتي ضمي ذاتك “الثنائي” في كائنٍ ذي جناحين، واصبري واعملي وتَجمَّلي إذ تدلُفين إلى رحاب خالق الخلق، فستلقين هناك ما تنشُدين ويكون مصيرك بيد العادل.. ويا قلبُ ردِّدْ في الرحلة إلى تلك الرحاب ما يردّده المُحِبُّ المُعَنَّى وقد طال به الغياب، وقلْ كلام الهُذَليِّ بقصدٍ أسمى مِن قصده:
جَمَالَك أيها القلبُ القَريحُ ستَلقَى مِن تُحبُّ فتَستريحُ

والحمد لله على كل حال وفي كل آن.

أخبار ذات صلة

0 تعليق