هل تجازف إيران بأكثر من رد يحفظ ماء الوجه؟

المدن 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

أنْ تبادر إسرائيل إلى تنفيذ اعتداء عسكري ولو محدود، على أرض لبنان مستهدفة حزب الله، فهذا يوحي بأنها مرتاحة على وضعها، ولديها حساباتها واستراتيجيتها، وتسعى إلى إرباك الحزب من خلال وضعه في موقع رد الفعل وربما في مأزق. وهي بفعلتها العدوانية هذه، وضعت قيادة الحزب (ومن خلفه إيران) أمام خيارين كلاهما مرّ.

مستوى المواجهة
فإما ألا يرد على استهداف إسرائيل للضاحية الجنوبية بطائرتين من دون طيار، "انتحاريتين" كما يقال، وهو ما سيشكل إهانة في نظر جمهوره والعالم. وسيتم تفسير ذلك باعتباره مؤشر ضعف، بينما ستحتفل إسرائيل ورئيس حكومتها، بنيامين نتنياهو، بهذه "الصفعة" التي سيوظفها الأخير بسهولة في الانتخابات التشريعية المرتقبة.

الخيار الثاني يتمثل في الرد، وهو خيار معلن ووشيك على الأرجح، كما يوحي أداء الحزب حتى الآن. لكنه خيار صعب. لأن إسرائيل هي التي اختارت توقيت المواجهة، إذا كانت ستحصل. وهذا التوقيت قد لا يكون مناسباً الآن، بالنسبة لكل من حزب الله وإيران. ولأن أحداً قد لا يستطيع أن يضمن طبيعة الرد الإسرائيلي على رد الحزب. وحتى لو لجأ الأخير إلى ما يسمى بالرد المتكافئ، أي الاكتفاء بإرسال طائرتين من دون طيار لتسقطا في إسرائيل، فهل ستقف المواجهة عند هذا الحد، أم أن الإسرائيليين سيردون (كعادتهم) بشكل غير متكافئ، ليدفعوا بالتالي إلى مواجهة متدنية أو متوسطة أو مرتفعة الحدة؟ وهنا تكثر التكهنات بشأن الأجوبة المحتملة في الأيام المقبلة، والتي ترتبط خصوصاً بالنوايا الإسرائيلية.

حسابات إيرانية
فإذا كان هدف إسرائيل من وراء اعتدائها في الضاحية الجنوبية ليل السبت ـ الأحد الماضي، يتمثل في استدراج حزب الله إلى حرب، فإنها ستستغل أي رد لإشعال الجبهة، وربما لتنفيذ تهديداتها بإلحاق دمار هائل بلبنان. ثمة فرضية في هذا الصدد، تفيد بأن انزعاج إسرائيل من المبادرة الفرنسية الهادفة لاستئناف الحوار الأميركي ـ الإيراني من أجل التوصل إلى اتفاق نووي جديد، قادها إلى تنفيذ اعتدائها الأخير، لدفع حزب الله إلى رد الفعل، وبالتالي إلى تصعيد عسكري من شأنه أن يساهم في قطع الطريق على المبادرة الفرنسية ونسفها أو تأخير ثمارها ربما. ثمة فرضية أخرى، تربط السلوك العدواني الإسرائيلي بالحسابات الانتخابية لنتنياهو الذي سيستغل الرد، على غرار عدم الرد، لتعزيز وضعيته في المنافسة الانتخابية.

لكن في حال كان هدف الاعتداء يتمثل في إيصال رسالة إلى إيران(كما يجري التداول في أوساط صحافية لبنانية) مفادها أن سياستها التوسعية في إقليم الشرق الأوسط، من اليمن مروراً بالعراق وسوريا، وصولاً إلى لبنان، ستكون وبإلحاح، ملفاً مطروحاً على نار حامية على طاولة المفاوضات مع الولايات المتحدة الأميركية والغربيين، فهذا سينتج تعاملاً مختلفاً مع الاعتداء الإسرائيلي في الضاحية الجنوبية. الرد سيكون أو لن يكون عندئذٍ، بحسابات إيرانية بحتة.

ترامب – روحاني والمبادرة الفرنسية
وبما أن الحديث يجري عن استعداد أميركي وإيراني متبادل لعقد لقاء بين الرئيسين دونالد ترامب وحسن روحاني في الأسابيع المقبلة، نتيجة الوساطة الفرنسية الناجحة حتى الآن، من المنطقي إذاً أن يكون خيار التصعيد العسكري الفعلي والكبير والخطير مستبعداً طوال هذه الفترة على الأقل في جنوب لبنان. بمعنى آخر، لا يمكن تجاهل التعامل الإيجابي من قبل القيادة الإيرانية مع المبادرة الفرنسية. وخير دليل على ذلك ذهاب وزير الخارجية الإيراني، جواد ظريف، إلى مدينة بياريتس الفرنسية حيث عقدت قمة "مجموعة الدول السبع"، واجتماعه بنظيره الفرنسي، جان إيف لودريان، ومسؤوليين أوروبيين آخرين. صحيح أنه من المبكر الحديث عن بوادر انفراج أميركي ـ إيراني، لكن يمكن القول إن المبادرة الفرنسية عززت من فرص عقلنة الخيارات الإيرانية، أو بالأحرى عزّزت وجهة نظر تيار إيراني معتدل بوجه تيار متشدد.

هذه الإيجابية الإيرانية قد لا تبدد خيار الرد. وهنا سيتمحور النقاش في الأوساط الدبلوماسية الدولية المستنفرة حالياً لاحتواء المشكلة، حول السؤال التالي: أي رد سيكون "مقبولاً" في نظر الأميركيين والغربيين؟ وإذا صدرت مؤشرات ضمنية في شأن "الرد المقبول"، أي ذلك الذي لن يؤدي إلى رد فعل إسرائيلية كبيرة وخطيرة (بضمانات أميركية؟)، ستصدر بالتالي أوامر الرد من غرفة عمليات حزب الله. وبما أن إيران تلقت رسالة في لبنان (تضاف إلى الرسائل الأخرى في سوريا والعراق...) يُراد منها أن تكون ورقة تفاوضية، فمن الممكن أن تتلقف هذه الرسالة الإسرائيلية والأميركية وأن تكتفي بالرد عليها بالمثل. أي أن تصادق على رد محدود جداً، بما يحفظ ماء وجه حزب الله، لكن بما يعبّر في المقابل عن تمسكها بمكاسبها الإقليمية، على طاولة المفاوضات، مع استعدادها فقط للتفاوض على "ضوابط" بشأن نفوذها وعمل حلفائها في لبنان وبقية دول الشرق الأوسط.


أخبار ذات صلة

0 تعليق