بـ"المقاومة" و"فرّق تسد": حزب الله يستميت لإخماد انتفاضة صور

المدن 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

شكّلت انتفاضة مدينة صور محطة مفصلية في مسيرة الانتفاضة اللبنانية التي انطلقت في 17 تشرين الأول، ذلك أنها تحدّت السلاح الذي رفعته حركة أمل في وجهها، في محاولة لإخمادها، بحجة أن المتظاهرين شتموا رئيس مجلس النواب نبيه بري وزوجته رندا. بعد سحب المسلحين من الشارع، اختفى صوت "أمل" على وقع ضجيج كلمات الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله. وهنا يُسجّل لانتفاضة المدينة أن صوتها بقي أعلى من الضجيج الرامي لإخمادها وإخماد صوت الانتفاضة في الجنوب وكل المناطق.

فزّاعة المقاومة
وزّع نصر الله كعادته شهادات الوطنية بما يتناسب مع مصلحته. فوضع المتظاهرين في خانة العداء للمقاومة. وبرأيه، بعضهم يدري وبعضهم الآخر لا يدري. فنصر الله يعتبر أن أيادٍ خفية تحرك التظاهرات لتوجهها ضد المقاومة.

كلام نصر الله يوم الجمعة 25 تشرين الأول، ترافق مع قرار مركزي بتسيير تظاهرات مؤيدة للمقاومة، كان لمدينة صور نصيب فيها. ففي صور وقراها، حشد حزب الله محازبيه وأنصاره، وانطلقوا بسياراتهم ودراجاتهم النارية ليجوبوا شوارع المدينة. واستعمل الحزب في دعواته خطاباً يوحي بأنه يحشد الناس لمواجهة اجتياح إسرائيلي. ففي بلدة "معركة"، وزّع الحزب رسائل نصية عبر الوتسأب تقول: "أهلنا الغيارى على المقاومة وقيادتها في بلدة معركة، يا مَن عقدتم العزم على حفظ المقاومة بالأرواح والدم، يا مَن لا ترضون أن تحكم فيكم الأفواه المأجورة، وتزحزحكم عن كلام سيّدكم الفصل، تثبيتاً للعهد بالقول والفعل، وتجديداً للوعد بالنصر الآتي، مقاومة ومؤازرة شعبٍ عزيز لا يرضى الذل، ندعوكم إلى المسيرة السيارة التي ستبدأ بعد كلمة سماحة الأمين المفدّى السيد حسن نصرالله  حفظه الله، صرخةً في وجه كلّ مراهن على تركنا مسيرة المقاومة.. التجمع اليوم الجمعة الساعة 4:30 أمام مجمع الامام الرضا (ع) معركة".

حاول نصر الله في خطابه أن لا يعمم على كل المتظاهرين تهمة الوقوف ضد المقاومة، لكن الممارسة على أرض الواقع أثبتت أن الجميع متهم وإن ثبتت براءته. فمسيرة صور، بمنطق الحزب، موجهة ضد من ليسوا غيارى على المقاومة، من الشعب الذي يرضى الذل، في حين أن انتفاضة صور تضم أسرى محررين، بعضهم أمضى أكثر من 10 سنوات في المعتقلات الإسرائيلية، كما تضم مقاومين يعرفهم أبناء القرى، وخصوصاً حزب الله.

استعمال المقاومة كفزاعة لإسكات أي صوت معارض، كانت تخرقه الاعترافات التي يدلي بها محازبو ومناصرو حزب الله، خلال نقاشاتهم في القرى مع مقاومين شيوعيين ويساريين يشاركون في الانتفاضة منذ اليوم الأول. فمحازبو ومناصرو الحزب، لا يستطيعون إنكار نضال آلاف المقاومين، وهو ما أوقعهم في تناقض كبير. فمن جهة، تاريخ الجنوبيين في المقاومة معروف، ومن جهة أخرى يلتزمون تنفيذ القرار الحزبي بالنزول الى الشارع "لنصرة المقاومة".

فرّق تسد
نجح المنتفضون في صور بردّ تهمة العداء للمقاومة، وتمكّنوا من تذليل خوف الناس من اعتداءات محتملة ضد المتظاهرين. فلم يكن أمام رافضي الحراك إلاّ اتّباع سياسة فرّق تسد. إذ عمد البعض إلى ترويج شائعات حول فض الاعتصام في صور، وانتشرت رسائل عبر الوتسأب تؤكد أن "مسؤولي الحراك في صور يطلبون من المتظاهرين إخلاء ساحة دوار العلم". بالتوازي، انسحب عدد ممّن كانوا ينشطون في التظاهرة غناءً ورقصاً وخطابة. يتذرّع بعضهم أن "البعض يردد شعارات لا تتناسب مع أهداف الحراك". علماً أن الشعارات التي تُرَدد، بقيت على حالها منذ اللحظة الأولى لانطلاق التظاهرة في صور. وكان بعض المنسحبين يرددون الشعارات ذاتها، فهل فجأة اكتشفوا أنها لا تناسب أهداف الحراك؟ ثم أن الشعارات تحمل المطالب السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وهذا في صلب أهداف الحراك. أما الشتائم، فلا تُسمع في تظاهرة صور.

انسحاب البعض أُعطيَ حجماً يفوق حجمه. فمنذ اليوم الأول لتظاهرة صور، كان هناك من يشارك ثم ينسحب لأسباب كثيرة، وهذا يندرج ضمن حرية التعبير عن الرأي، سواء بالمشاركة أو رفضها. لكن تسليط الضوء على الانسحاب بالتوازي مع خطاب نصر الله، له وقع أكبر على المتظاهرين وعلى الرأي العام في صور ومحيطها. وبالفعل، لم تهدأ الاتصالات التي تلقاها المعتصمون طيلة فترة الاعتصام، للتأكد ما إذا كان الاعتصام مستمراً أم لا، ليؤكد من هم في الساحة أنهم باقون.

أيضاً، حاوَلَ البعض إظهار نفسه كقائد لتظاهرة صور، في حين أن لا قائد ولا موجّه للتظاهرة سوى المتظاهرين أنفسهم. وأقصى ما في الأمر، هو تطوّع عدد من الأشخاص بضبط التظاهرة لتبقى ضمن إطارها السلمي. ويمكن لأي شخص في التظاهرة أن يبادر الى التنظيم والتواصل مع المتظاهرين.

قمصان سود
اشتُهِر حزب الله بإلباس محازبيه ومناصريه قمصاناً سود خلال تحركهم لتنفيذ قرارات الحزب، ومنها مهمات قمع التظاهرات والتحركات التي لا يوافق عليها الحزب، وهو ما بدا واضحاً خلال الاعتداء على المتظاهرين في ساحة رياض الصلح.

وفي صور، دخل عدد من مناصري الحزب الى ساحة الاعتصام، بلباسهم الأسود. بقي بعضهم على الرصيف المقابل للساحة، يرمقون المتظاهرين بنظرات باردة وجامدة، في حين وقف جزء آخر جنباً الى جنب مع المتظاهرين دون ترديد أي شعار أو التفاعل مع الأناشيد الثورية وصرخات المتظاهرين، في مشهد واضح لا يحتاج الى تدقيق. ومع ذلك، أكمَلَ المتظاهرون ما اعتادوه لأيام، ولم تخمد الانتفاضة.


أخبار ذات صلة

0 تعليق