لتشكيل الحكومة، اذهبوا إلى كلمة سواء.

تورس 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف
لتشكيل الحكومة، اذهبوا إلى كلمة سواء.

نشر في باب نات يوم 31 - 10 - 2019

191936

عبد الرزاق قيراط
في خضمّ المشاورات الموازية التي ظهرت في المنابر الإعلاميّة، بدأ التونسيّون يتذمّرون من جدل تشكيل الحكومة المنتظرة، بسبب الخلافات المتعاظمة بين الأحزاب والقوى المعنيّة بتحديد برامجها وتعيين وزرائها. ومن المعوّقات التي ظهرت مبكّرا، إصرار حركة النهضة على أن يكون رئيس الحكومة من قياديّيها، والأسماء المتداولة كثيرة، وعلى رأس القائمة الشيخ راشد الغنوشي، الذي لا يحظى في واقع الأمر بالترحيب، لدى معارضيه وحتّى في صفوف الكثير من مؤيّديه، وهو في الحقيقة سياسيّ معروف بنشاطه الدؤوب في الكواليس، وخلف الحجب، يتوافق مع البعض، ويتشاحن مع البعض .... فإذا ظهر للعموم، انكشفت عيوبه قولا وفعلا، وكثرت أخطاؤه ، بسبب افتقاره إلى القدرة على التجميع لإقناع عموم التونسيين الذين لا تهمّهم مصلحة النهضة والأحزاب المنافسة لها بقدر ما تهمّهم مصلحة الوطن.
عندما يتكلّم الغنوشي في العلن، غالبا ما يوجّه خطابه إلى أنصاره، فيبرّر بعض سياسات النهضة بتعلاّت تعود بالوبال عليه وعلى الحركة، والأمثلة كثيرة آخرها، ما وقع بعد حديثه عن التوافق مع الرئيس الراحل قايد السبسي، باعتباره احتضانا "تكتيكيّا" لمنافس أو عدوّ في حلبة ملاكمة... وعليه فمن المفيد للحركة وللبلاد إقناع الغنوشي بالتخلي عن فكرة رئاسة الحكومة، وله أن يبقى خطيبا بين أنصاره ومحبّيه في الكواليس لا في العلن، قبل أن يحال على التقاعد، ويتكفّل التاريخ بإنصافه أو التثريب عليه.
تمتلك حركة النهضة، في المقابل، عددا لا بأس به من ذوي الكفاءات، وأصحاب "الكاريزما"، فيمكنها أن تكلّف أحد قياديّيها الشبّان بتشكيل الحكومة بوصفها الحزب الذي حصل على المرتبة الأولى، ولكنّها قادرة على العفو. ونقصد بالعفو، أن تمدّ يدها إلى الأحزاب الأخرى التي عبّرت عن استعدادها مبدئيّا للمشاركة في الحكم، فتقبل ببعض شروطها لا كلّها، وتتنازل مثلا عن رئاسة الحكومة لشخصيّة توافقيّة تتوفّر لديها شروط محدّدة يمكن اقتباسها من خطاب الرئيس، شخصيّة تشبه الرئيس في حزمه وصدقه، فتتعهّد أمام الشعب بتحمّل الأمانات التي أحصاها قيس سعيّد في قوله: "شعبنا أمانة ودولتنا أمانة وأمننا أمانة وأنّات الفقراء والبؤساء أمانة وابتسامة الرضيع في المهد أمانة... فلنحمل هذه الأمانات كلها بنفس الصدق والعزم".
إنّ المطلوب اليوم من كلّ الصادقين الراغبين في تغيير الواقع الصعب للتونسيّين، أن يذهبوا إلى كلمة سواء، فيقبلوا تحمّل الأمانة التي عُرضت عليهم، في يوم مشهود أذهل العالم، فلا وقت للمهاترات، وليس الشعب الذي سبقكم إلى البناء معنيّا بحجج هؤلاء وهؤلاء.. وليس من مصلحة النهضة أن تصرّ، ولا من مصلحة الأحزاب الأخرى أن تلحّ، وليس من مصلحة التونسيين الذهاب إلى انتخابات جديدة تلبّي عناد نخبتها السياسيّة، وتهدر المزيد من الوقت والفرص الكفيلة بإنقاذ الدولة من الانهيار...
يمكن للمختلفين أن يصطفّوا وراء كلمة "الزعيم"، كما وصفه الفيلسوف التونسيّ، الأستاذ محمّد محجوب، حيث قال:" كان خطاب سعيّد خطاب زعيم لا خطاب رئيس حديث الانتخاب، ربّما لأنّ خطاب الرمز هو الوحيد الذي يمكن أن يغيّرنا. كان يطلب منّا أن نؤمن بأنفسنا... قام بعمل لم يقدر عليه سواه ... تحويل رمزية المآل إلى رضى الضمير الصادق ... لم يتنكّر لنفسه كأستاذ،وكلّم التونسيّين موقظا، موقدا.."
فاسمعُوا وعُوا، واذهبوا إلى كلمة سواء لتشكيل حكومة التونسيّين جميعا لا حكومة الأحزاب والسراب.

.



أخبار ذات صلة

0 تعليق