«المسرح الصحراوي».. تأصيل جمالي للفرجة العربية

الخليج 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

الشارقة: محمدو لحبيب

منذ انطلاقته سنة 2015 وحتى دخوله بعد أيام قليلة؛ أي في 12 ديسمبرالحالي دورته الخامسة، ومهرجان المسرح الصحراوي في الشارقة يقدم كل عام تطويراً ثقافياً عميقاً لمفهوم مسرحة الصحراء، بعرض قيمها وثقافتها وحكاياتها وطريقتها في التعبير عن ذاتها وعن حياتها.
إنه خيار اتخذته الشارقة منذ ذلك الحين وواصلت فيه إيماناً بأن التراث الصحراوي جزء أصيل من الأطر التي تحفظ للثقافة العربية هُويتها، وتجعلها قادرة على مواجهة الزحف الثقافي الذي يغزو العالم كله، ويهدد بسيطرة ثقافة واحدة بكل قيمها الغريبة على مجتمعاتنا.
والواقع أن الشارقة عبر إطلاقها لهذا المهرجان، وفي كل دوراته الأربع السابقة، لم تكتف بتأسيس البعد المفاهيمي الثقافي المشار إليه آنفاً؛ بل أرادت تطوير أدوات خاصة للصناعة المسرحية بعيداً عن العلبة الإيطالية.
وبمرور السنوات تطورت تلك العناصر وتطورت معها فكرة المهرجان، الذي شهد إقبالاً وزيادة في الدول المشاركة فيه، حيث ستشارك في الدورة القادمة للمهرجان ست دول هي الإمارات والكويت وموريتانيا والأردن والسودان والعراق، وفق مقاربات تبرز الصلات الكائنة والممكنة بين المسرح والأشكال التعبيرية والأدائية التقليدية التي طورتها مجتمعات الصحراء العربية.
وستشهد الدورة القادمة تنوعاً في مضامين الندوات الفكرية، بغية تعزيز وتطوير تجربة المشاركين، وتأصيل فكرة المهرجان، وجعلها أكثر انتشاراً وتمدداً.
فندوة الدورة الجديدة تتمحور حول «المسرح وأدب الصحراء»، في إشارة بحثية إلى التعاون الذي يمكن أن ينشأ بين صناع الشكل المسرحي، ومن يختزنون في ذهنيتهم تراث الصحراء اللامادي، كالأساطير والروايات الشعبية، والشعر الشعبي والأمثال والحِكم الصحراوية، وغير ذلك من أشكال التعبير الأدبي في هذا الفضاء الفسيح؛ وهذا التعاون سوف يثري العروض التي تتخذ من الصحراء موضوعاً لها، ويقدم لها تميزاً خاصاً يجعلها بحق نموذجاً فريداً من أنواع «أبي الفنون».
ويعتبر هذا التطور في الشكل والعمق الحاصل في الدورة القادمة تأسيساً رصيناً على ما تحقق في الدورات السابقة، ووصلاً لسلسلة الإنجازات في مجال المسرح الصحراوي بعضها ببعض.
لقد استهدف المهرجان منذ دورته الأولى استكشاف وإبراز الخطوط التي يمكن أن تصل بين الفن المسرحي وأنماط الأداء والمرويات والسير الشعبية في البادية، وفي المداخلات والمناقشات التي استضافتها مسامراته الفكرية سابقا جرى الحديث غالباً عن روابط وامتدادات بين فكرة المهرجان والجهود المسرحية «التأصيلية» التي نشطت في العقود الماضية، وسعت إلى إضفاء هوية عربية على هذا الفن، من خلال العودة إلى التراث، واستدعاء النماذج، والمظاهر المسرحية الكامنة أو الظاهرة في الاحتفاليات والطقوس، وسواها من الممارسات التي عرفتها الثقافة العربية.
في الدورة السابقة اتخذت الندوة الفكرية موضوعاً حيوياً وإشكالياً هو «المسرح الصحراوي بين الأصالة والمعاصرة»، وناقش عدة أوراق بحثية بينها: «المسرح الصحراوي.. أصالة المفهوم ومعاصرة المنجز» للباحث المغربي حسن يوسفي، أشار فيها إلى أنه يمكن النظر إلى المهرجان كمقترح جمالي وفكري في حالة بناء وصيرورة في السياق العربي، وليس تجربة مسرحية فحسب، كما ضمت الندوة ورقة لهيثم الخواجة بعنوان «المسرح والصحراء.. نحو مزواجة بين التراث والحداثة»، تحدث فيها عن أهمية مبادرة اقتراح مهرجان تستلهم عروضه موضوعاتها وأساليبها من البيئة الصحراوية.
وشهدت الدورة 5 عروض هي: الفزعة «الإمارات» و عنترة «مصر» و فتيان الفريك «موريتانيا» و خضراء «تونس»، وعرض «الهيم» من سلطنة عمان.
كل تلك العروض قدمت عدة تمثلات لسردية الصحراء واتساعها، فما بين استحضار القصة القديمة كعنترة مثلاً، إلى استحضار قيم المجتمعات الصحراوية وحكايات الحب والنخوة والنبل والأخلاق وإيثار وإكرام الضيف ونصرة الملهوف وغيرها، تلقى الجمهور دفقة فنية ممتعة بانفتاحها على الفضاء اللامحدود مسرحياً، ومفيدة بتقديمها لثقافة مختلفة عادة لا تعرفها الأجيال الجديدة إلا فيما ندر.
وربما تكمن الميزة الكبرى التي وفرتها دورات المسرح الصحراوي المتوالية منذ إطلاقه وحتى الآن، في أنها أسست لمفهوم رمزي ثقافي وجمالي هو حرية التلقي وحرية العرض، فالمخرج حرّ تماماً في مسرح الصحراء، وكذلك الممثل، وبنفس السياق فإن الجمهور في هذا النوع من المسرح هو جمهور حر أيضاً يتعلم من الصحراء فيلامس رملها، ويرى حكاياتها ويقترب جمالياتها المتمثلة في الصياغات الخاصة التي تستخدم تقنيات لتحكي قيماً بعضها ماضٍ لكنه ماضٍ أصيل.
ويمكن القول دون تردد، إن تأسيس «الشارقة الصحراوي» الذي تنظمه وتشرف عليه إدارة المسرح في دائرة الثقافة، هو طريقة متقدمة لقول جملة من الحقائق التي تربطنا كعرب وكأمة خلاصتها أن الصحراء ليست مجرد رمال منبسطة تتألق تحت ضوء الشمس وتبهر الناظر إليها بقدرتها على الحركة والتجدد؛ بل هي فعل مقاوم لكل أشكال التضييق والحصار الثقافي.. إنه درس الصحراء الثقافي كما فهمته الشارقة، وكما يجب أن يفهمه كل أبناء الصحراء العربية.

أخبار ذات صلة

0 تعليق