احتقاراً للدستور والمواطنين: حكومة يؤلفها باسيل.. تكريساً للنظام الرئاسي

المدن 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

ها هو جبران باسيل يقول للجميع: "تريدون إخراجي من الحكومة؟! فها أنا  أشكّلها وأصنعها". وهذا ما حمله على  إعلان  استعداده البقاء خارجها، ما دام هو المهيمن عليها، مشترطاً أن تتوفر فيها أمور عديدة: مكافحة الفساد، وإصلاح الوضع الاقتصادي.

الحريري يتراجع
عملياً، أعلن باسيل خروجه من الحكومة، فأعلن الحريري دعمه لسمير الخطيب وعدم مشاركته في الحكومة. حزب الله كان يريد موقفاً علنياً من الحريري يدعم الخطيب ويشارك في الحكومة، وهذا ما بحثه معه الخليلان (علي حسن خليل وحسين خليل). وبإعلانه دعمه الخطيب، بعد المناورات والمراوحة، يكون الحريري قد وجه صفعة إلى موقفه الراغب في تلبية مطالب الناس. وهو أهان المتظاهرين وموقع رئاسة الحكومة والمؤسسات الدستورية، لأن الحكومة شُكّلت تقريباً قبل الاستشارات الدستورية.

وحسب المعلومات، قبيل إعلان الحريري موقفه، وجه إليه الثنائي الشيعي رسالة حازمة: هناك فرصة أخيرة لتشكيل الحكومة، ولا يمكن إخراج حزب الله منها، في مقابل إخراج باسيل . وحتى الوزراء السياسيين لا يمكن أحداً إجبار حزب الله على استبعاد أي منهم، هو يختار من يريده. استجاب الحريري معلناً موافقته، وسط تقديرات بأن الحزب قد لا يلجأ إلى تسمية وزراء معروفين، أو لهم تجارب وزارية سابقة. وهو اشترط أيضاً ألا يطرح على جدول أعمال الحكومة أي أمر يتعلق بإجراء انتخابات نيابية مبكرة، وألا تتمتع بصلاحيات استثنائية. وهذا يعني أن الحريري تراجع عن شروطه كلها.

التشكيلة إياها
الجميع كان يبحث عن ضمانات ومكاسب: باسيل أرادها في مقابل عدم مشاركته. والحريري أيضاً طلبها من الخليلين، فكان اللقاء عملية بحث في التفاصيل. حتى في شكل الحكومة التي قد تكون مؤلفة من 18 أو 24 وزيراً، وفي توزّع وزراء الدولة السياسيين فيها، وسط ترجيحات باحتمال عودة علي حسن خليل، وسليم جريصاتي، ومحمد فنيش. هذا يعني إعادة إنتاج تركيبة مشابهة للحكومة السابقة، مع تمسك الحريري بالحصول على الداخلية لتبقى المالية مع حركة أمل، والطاقة من حصة التيار العوني. وأصر باسيل بالحصول على الثلث المعطل في هذه الحكومة، التي إذا ما تألفت من 24 وزيراً، فهو يريد 7 وزراء مسيحيين للتيار ولرئيس الجمهورية، ووزيراً للطاشناق، أي الثلث المعطل. وهناك وزير للمردة و3 وزراء "يمثلون الحراك" من الذين تفاوضوا مع التيار العوني.

خواء الخطيب السياسي
ورئيس الحكومة المرتقبة شخص يُدعى سمير الخطيب، لا علاقة له بالسياسة ولا حتى بالتكنوقراط. ثمة من زرع في رأسه أن حظوظه كبيرة لتولي رئاسة الحكومة، بعدما اعتاد رئاسة الشركات بالوراثة. لا بأس بمنطق الوراثة هنا. فموقع رئاسة الحكومة تحوّل إلى إرث بلا ورثة،  بل إلى مشاع، الحق فيه بالشفعة لمن يريد أو يهوى. استُحضر الخطيب على عجل، لا أحد يعلم من أين أتى إلى بورصة السوق. عرض الخطيب بضاعته كلها للبيع قبل تكليفه. ركب سيارة لا يملك دفتراً لقيادتها، فسار به سائقان: رئيس تيار سياسي يمثّل الوجه الأكثر استفزازاً للبنانيين، سياسيين ومواطنين، موالين ومنتفضين. ورئيس جهاز أمني يتمتع بثقة رئيس الجمهورية.

أفرغ الخطيب جيوبه من كل ما لديه، قبل حسم التوافق على اسمه. مهمته ستكون عصيبة بسبب انبطاحه وتسليم كل أوراقه لجبران باسيل. ولأنه يمثّل استمراراً للنهج السابق، سواء بطريقة تسميته أو بعمله استشارياً لوزارات ومؤسسات تابعة لها، وعليها شبهات كثيرة.

وإذا مرّت "تسوية الخطيب" - وهي مزحة سمجة - لا يكون مرورها لقوة مسوِّقيه أو قدراتهم الخارقة، بل دليلاً على الخواء الذي أصاب الحياة السياسية اللبنانية، ومحاولة الجميع الهروب من تحمّل مسؤولية الانهيار. ويربط البعض تمرير هذه التسوية - الوهم ببعض المتغيرات على الصعيد الدولي: تحرير الأميركيين مساعدات للجيش اللبناني أوقفت سابقاً. واتصالات دولية حصلت للحفاظ على الاستقرار في لبنان. وتشكيل أي حكومة.

حكومة مقاولات
هناك معطيات أخرى تناقض هذا الكلام: ليس من اهتمام دولي بالشأن اللبناني. فالأزمة الأساس  مع إيران. وبالتالي أمام لبنان شهور صعبة، بحكومة أو بلا حكومة. وتكشف المعلومات أن الفرنسيين بعثوا موفدين إلى دول الخليج، لإعادة تفعيل بعض المساعي حول لبنان، ربطاً بتشكيل الحكومة. لا سيما أن لبنان بحاجة من الآن إلى شهر آذار المقبل إلى مبلغ يتراوح بين 5 و10 مليارات دولار. وهذه مبالغ لا يمكن تأمينها إلا من دول الخليج. لكن الفرنسيين لم يلمسوا إشارات إيجابية في الموقف الخليجي بغياب أي تغيير حقيقي وجدّي في السلطة والتركيبة اللبنانية، وخروج لبنان من سياسة المحاور والعودة إلى النأي بنفسه عنها. وهذه العوامل غير متوفرة. لذا لن تحظى حكومة الخطيب وأشباهها بالثقة الدولية.

إنها حكومة المقاولات التي عملت القوى السياسية على إنتاجها، لتكون شاهدة على الانهيار. وهذا ما دفع كثيرين إلى التهرب من المجازفة.

باسيل لن يكون وزيراً طالما أن الحريري لن يترأس الحكومة، ولكنه سيتثمل بوزراء تكنوقراط وآخرين من "الحراك" التقى بهم وتواصل معهم. وهو استبدل موقعه الوزاري، بموقعه الجديد: صانع الحكومة ومشكِّلها، بعدما رسم لسمير الخطيب خطوطها وتفاصيلها.

بري - جنبلاط
على ضفة أخرى كان وليد جنبلاط يتحرّك مجدداً في اتجاه عين التينة وبيت الوسط، وسط معلومات تفيد عن انزعاج بري من الحريري. حاول رئيس التقدمي وصل ما انقطع. وتفيد معلومات أن برّي غير راض عن مسار الأمور، ورسوها على الخطيب.  فهذا الشكل يثبت أعرافاً جديدة في تشكيل الحكومة: تهمّش دور رئيسها ودور المجلس النيابي، لصالح دور يلعبه محظي القصر الجمهوري، في أكبر عملية ضرب للدستور والمؤسسات. ولم يكن موقف جنبلاط الذي أعلنه من عين التينة بعيداً عن توجه برّي: ما يجري مخالف للدستور. وحسب المعلومات، فإن جنبلاط لا يوافق على صيغة وزراء الدولة السياسيين في الحكومة. ولذلك قدم لائحة بأسماء اختصاصيين غير حزبيين لرئيس الحكومة المفترض ليختار منها.  

هناك كتل نيابية بدأت تجتمع لتنسيق موقفها، إذا ما دعا عون إلى استشارات نيابية لتسمية الخطيب. عدد من النواب قد يقاطع الاستشارات، لأنها تحصل بهذه الطريقة. آخرون لن يسمّوا الخطيب، لأنهم يرفضون معاملتهم وكأنهم في نظام رئاسي. 


أخبار ذات صلة

0 تعليق