الصعيدية التى هزمت طواحين الفساد

المصرى اليوم 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

اشترك لتصلك أهم الأخبار

على عكس «الدون كيشوت دو لا مانشا» بطل رواية الكاتب الإسبانى سيرفانتس الشهيرة الذى كان يحارب طواحين الهواء بدرع قديم وخوذة بالية، امتشقت الدكتورة نعمات أحمد فؤاد (1926 - 1 أكتوبر 2016) سيف القلم وحاربت به فى معارك عديدة ضد وزراء وشخصيات متنفذة وأفكار خاطئة وسياسات فاسدة، حتى وصل الأمر إلى وضع اسمها فى قائمة اعتقالات سبتمبر ١٩٨١م. انتصرت كثيرا وهُزمت قليلا، لكنها لم تلقِ سلاحها، الكلمة، حتى آخر يوم فى حياتها. صعيدية من «مغاغة» لاحظ أبوها نبوغها المبكر وبتشجيع من معلم اللغة العربية أرسلها إلى القاهرة لتلتحق بمدرسة حلوان الثانوية الداخلية للبنات، حيث تكرر تشجيع أستاذ اللغة العربية لها. كلمة السر فى نبوغها أنها حفظت القرآن كاملا وتعلمت قراءاته كلها وهو ما منحها القدرة على امتلاك مفاتيح اللغة العربية وفتح أمامها باب الاستزادة من الفنون والآداب. كان الأديب الراحل أحمد حسن الزيات يراها امتدادًا له، وشبهها فى مقدمة كتابها (بلادى الجميلة) بـ«مى زيادة» و«العقاد»، وبعد تخرجها بتفوق فى كلية الآداب جامعة القاهرة، حصلت على درجة الماجستير فى أدب المازنى، ثم الدكتوراه عن «النيل فى الأدب العربى».

عملتُ تحت رئاسة الدكتورة نعمات أحمد فؤاد لفترة وقت أن كنتُ منتدبة بالمجلس الأعلى للثقافة. كنا امرأتين على طرفى نقيض، أولهما بنت الجنوب الرزينة التى تتحدث بتؤدة وتزن كلماتها فتستولى على أسماع واهتمام من تخاطبهم، والأخرى بنت الشمال (القاهرة والإسكندرية) التى تعبر بوضوح عن كل ما يجول بخاطرها من أفكار دون حساب للعواقب. جمعنا عشق القراءة وحب الكتابة والرغبة فى الإصلاح والجرأة فى التعبير، ورغم فارق السن واختلاف الثقافة نشأت بيننا علاقة مودة استمرت طويلا بعد ذلك.

كانت البداية عندما تابعت مقالاتها ضد كارثة بيع عشرة آلاف فدان من هضبة الأهرامات لمستثمر كندى مقابل نحو ٢ مليون دولار، بالمشاركة مع «شركة مصر لتنمية السياحة».

كانت الدكتورة نعمات أحمد فؤاد شخصية فذة شغلت عدة مناصب هامة من أهمها مدير عام المجلس الأعلى للثقافة بالقاهرة، وأستاذ الدراسات العليا بجامعة حلوان لمادة فلسفة الحضارة، وأستاذ بالمعهد الدولى للاقتصاد والبنوك الإسلامية التابع للاتحاد الدولى للبنوك الإسلامية. كما قامت بالتدريس بجامعات دول عديدة: جامعة استانبول، جامعة نيويورك، جامعة جورج تاون بواشنطن، جامعة طرابلس بليبيا، وجامعة الأزهر الشريف، وأكاديمية الفنون بالقاهرة.

وقد رفدت المكتبة العربية بكنز من المؤلفات فى الأدب والنقد والسياسة والدين والفن، بالإضافة إلى البرامج الإذاعية والتليفزيونية فى مصر والعالم العربى.

وفى ذكرى وفاتها فى أكتوبر المقبل أتمنى أن تحقق وزارة الثقافة أمنية الدكتورة نعمات أحمد فؤاد بافتتاح مكتبتها الضخمة التى تحوى أكثر من أربعين ألف كتاب، وقد شيدتها بمالها الخاص على الطراز العربى فى قطعة أرض يمتلكها زوجها الأستاذ محمد طاهر فى طريق الهرم. وقد سجلتها مؤسسة الأغاخان الثقافية كإحدى المكتبات النادرة التى أسسها فرد.

وفى النهاية أختم بكلماتها «شىء كبير أن يكون للإنسان قلم ولكن شيئًا نفيسًا أن يكون للإنسان موقف، ومن نعم الله على أن وهبنى الكلمة والقرار، أعنى القدرة على الاختيار الصعب، فعرفت المواقف، وتحملت فى سبيل مواقفى الكثير، وعلوت على الإغراءات والعروض والمناصب والبريق، فأعز منها جميعا تراب هذا البلد، كل ذرة من هذا التراب».

«لا توجد جوهرة فى العالم أكثر قيمة من امرأة تنزه نفسها مما يعاب». سرفانتس فنان، كاتب، شاعر، روائى (1547- 1616).

الكاتب

أخبار ذات صلة

0 تعليق