الجرائم الإرهابية.. فصام الإعلام والسياسة

المدن 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

ليس واضحاً ما إذا كانت الاستجابة السياسية الغربية للجرائم الإرهابية، قادرة، بإيجابيتها وخطابها المعتدل، على حشد الطاقات الشعبية لتقويض تلك الجرائم. 


فما تبثّه وسائل الإعلام، تبين أنه أكثر قدرة على التأثير، وثمة انفصال واضح بين القيادات السياسية الغربية، ووسائل الاعلام فيها، حيث تتخذ القيادات سلوكيات رادعة للجريمة، بحس مسؤول، فيما تغرد وسائل الاعلام تعبيراً عن مزاجات شعبية، أو التزاماً بأجندات خاصة بها. 
النقاش الذي يحيط بأداء وسائل الاعلام الغربية، بعد جريمة نيوزيلندا، يتناول شقين من الاستجابات الاعلامية عندما يتعاطى مع الجريمة بمنطق تخفيفي. أولها يتحدث عن تماهٍ مع مزاج شعبي يميني يتزايد في الأوساط الغربية، بعد موجات اللجوء والنزوح وظهور "داعش" والجرائم التي ارتكبها المسلمون في أوروبا ومناطق أخرى. 
ووفق هذه المقاربة، ثمة أسئلة عما إذا كانت وسائل الإعلام تغرد خارج السرب السياسي لأسباب متعلقة بشعبويتها، والبحث عما يرضي الحس اليميني المتصاعد، وهو حكماً، ليس سبباً، بل نتيجة لسلوكيات بعض المحسوبين على الإسلام الذين أمعنوا في استهداف البنية النفسية لاحتضانهم. 
أما الشق الثاني، فيتحدث عن أجندات تتبنى مقاربات سياسية يمينية، وتعبّر حكماً عن مزاج شعبي بما يتخطى التأثير به. علماً أن هذه الفرضية أقل قابلية للتصديق من سابقتها، بالنظر الى إن المزاج الشعبي لا يحكمه الضخ الإعلامي بقدر ما تفرضه خلفيات الاحداث الماضية، بدليل عجز انتشار الإدانة الواسعة للجريمة البشعة في نيوزيلندا، عن احداث تغييرات اساسية في الأمزجة الشعبية التي تعبر عنها مواقع التواصل، وأهمها احياء الاسلاموفوبيا. 
ولا تتعاطى الحكومات الغربية بتمييز بين المجرمين الذين يرتكبون جرائم ارهابية قائمة على النوع أو الدين أو العرقية، في وقت تتعاطى وسائل الاعلام معها وفق مقاربة تمييزية، بحسب ما تقول الدراسات. 
على المستوى السياسي مثلاً، لم تميز بريطانيا بين مجرمي "داعش" ومرتكب الجريمة الأخيرة في نيوزيلندا، وتصف سفاح نيوزيلندا بأنه "داعشي أبيض". أما رئيسة الحكومة النيوزيلندية، فارتدت الحجاب تضامناً، لإبداء تعاطف وتضامن مع أهالي الضحايا والجالية المسلمة، واستهلت كلمتها اليوم في البرلمان بعبارة "السلام عليكم" واختتمتها بالتحية الاسلامية. بذلك، هي لا تعلن اسلامها، بقدر ما تستنكر بالشكل والمضمون الجريمة، وتؤكد على المساواة بين الضحايا انطلاقاً من الالتزام بالمساواة بين المواطنين. 
على الضفة الاعلامية، ظهرت الانتقادات لـ"دايلي ميرور" البريطانية في تغطيتها لجريمتين. وفي الولايات المتحدة، وجد الباحثون في جامعتي "جورجيا" و"ألاباما" أن "الهجمات الإرهابية" التي يقوم بها متشددون إسلاميون تحظى باهتمام إعلامي أكبر بـ357 في المئة، مقارنة مع الهجمات التي نُفذّت من قبل غير المسلمين أو البيض، وذلك في دراسة قارنتا فيها التغطيات الإعلامية التي تحظى بها الهجمات "الإرهابية" المرتكبة من قبل متشددين إسلاميين وبين تلك التي يرتكبها غير المسلمين في الولايات المتحدة، علماً أنه وفقاً لبيانات "الإرهاب العالمي"، هناك فرق واضح في التغطية الإعلامية لجميع الهجمات "الإرهابية" بين عامي 2006 و2015، إذ قام "الإرهابيون البيض" أو المتطرفون (من دون ذكر دياناتهم) بما يقارب ضعف عدد الهجمات التي قام بها "متشددون إسلاميون" بين عامي 2008 و2016.
ومع أن هذه الأرقام تفسر الميول الاعلامية، إلا أنها تكشف مزاجاً شعبياً يتواءم مع توجهات وسائل الاعلام. فقد توصلت الدراسة من خلال بحثها في التغطية غير المتناسبة من قبل وسائل الإعلام الأميركية، إلى أن هناك خوفاً من "الإرهاب الإسلامي" بين عامة الناس، أكثر بكثير من أي نوع آخر من الإرهاب الذي يقوم به من غير المسلمين. كما أظهرت الدراسة أن التغطية الإعلامية غير المتناسبة التي يقدمها الإعلاميون سواء كان عن وعي أم من دونه، يساهم في خلق نمط من التفكير الذي يفضي إلى خوف الأفراد من الهجمات المرتبطة بالإسلام أكثر من غيرها.
هذا المزاج، هو واقع الآن، على ضوء مسار طويل من الاستهدافات من قبل المسلمين خلال السنوات الاخيرة. فالخبراء الأوروبيون لا ينكرون ان العنف المتطرف الإسلامي كان أكثر شيوعاً في أوروبا، لكنهم لا ينفون في الوقت نفسه أن إرهاب اليمين المتطرف هو في تصاعد الآن. 
غير أن الحديث عن وسائل الاعلام الآن، بات خارج النقاش، في ظل التطور الجديد الذي حصل، وتمثل في النقل المباشر عبر فايسبوك. لم يعد الاعلام التقليدي مساراً لضخ الارهاب بـ"اوكسيجين الدعاية" بحسب ما وصفته "واشنطن بوست"، من خلال الإبلاغ عن دوافع الارهابيين أو مطالبهم.

فالإرهابيون ما عادوا بحاجة إلى الصحافيين وفق الآلية السابقة، إذ تمكنوا من دفع مليون شخص آخر لتحميل المحتوى الخاص بهم، من غير وسائل الاعلام، وهو تحول يستدعي نقاشاً الآن، يثبت أن التحديات الملقاة على عاتق الشركات العملاقة أكبر من مسؤولية الاعلام، وهو أكثر خطورة لكنه أكثر قابلية للتحقق. 

أخبار ذات صلة

0 تعليق