رحلة إلى طوكيو: امبراطور جديد.. و"أوماتشي" القاطن في المستقبل

المدن 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

"سيكون هذا أفضل وقت للزيارة "، قال صديقي الياباني، وهي يخبرني بأن شهر نوفمبر موعد مناسب جداً لرحلتي. تصطبغ أوراق الأشجار بألوان نارية، الغابات المتدرجة من قمم الجبال تكتسي بخليط متوهج من درجات الأحمر والبرتقالي والأصفر، وتمتد على جانبي شوارع المدن صفوف أشجار مكللة بلون باهت للقرنفل، في انتظار أن يهطل الثلج في فبراير ويغطي كل هذا. كنت محظوظاً حقاً، يصل الخريف متأخراً إلى الجزر اليابانية ومعه كل الفصول الأخرى.


موسم الذبول هناك ربيع آخر، مشمس ودافئ ومتباهٍ بألوانه. ربيعان لبلاد الشمس المشرقة، وإن كان لربيعها الحقيقي ألوان أهدأ وأكثر سطوعاً في الوقت ذاته. لا يحتاج الأمر كثيراً من الفطنة، حتى يدرك الزائر سريعاً لماذا ارتبطت بنية قصائد الهايكو بدورة الفصول، ولماذا كان شرط الـ"كيغو"- الكلمة الدالة على الموسم- شرطاً في تقاليد شعر "الرينغا" و"الرينكو"، وساحة المعركة الرئيسية بين المُجدِّدين ومن سبقوهم. كان التحرر من الطبيعة ومن الجمال المرئي بالعيون، مدخلاً للحداثة هناك، في الأدب وأشياء أخرى كثيرة.

في رحلة الطيران الطويلة إلى طوكيو، والتي استغرقت يوماً كاملاً تخلله توقف قصير في بكين، من بين أغراضي كتابان لهما العنوان نفسه، "الرحلة اليابانية"، أحدهما من إصدار العام 1906 والآخر في العام 1909. الشيخ الأزهري أحمد الجرجاوي، صاحب الكتاب الأول، تقوده أغراض تختلف عن رحلة الأمير محمد علي باشا (أخو خديوي مصر)، الذي وصل بعده بثلاثة أعوام. لكن دوافع رحلتيهما بدت واحدة. الحرب اليابانية الروسية كانت قد انتهت في العام 1905. للمرة الأولى في العصور الحديثة التي تنتصر فيها "أمة من الشرق" على مملكة أوروبية، كانت تلك المعجزة الحقيقة، التي خلبت الألباب في المشرق، نقطة البداية الأولى للهوس ببلاد الشمس المشرقة قبل عصر الترانزستور. جاء الجرجاوي بصحبة حاج صيني، ومسلم روسي، لتبشير اليابانيين بالإسلام، وفي زيارته القصيرة التي امتدت بضعة أسابيع يسجل أن مئات منهم قرأوا الشهادة على يديه وتعلموا أركان الإسلام منه. كان الأمر سهلاً، فحتى صاحب الدار التي استأجرها الشيخ في طوكيو، سأل عن الإسلام وتحول إليه في اللقاء الأول. "مواطن مصري عثماني" هكذا يصف الجرجاوي نفسه بفخر، جاء بحلم توحيد زعيمَي الشرق، السلطان العثماني مع ميكادو اليابان، أشرف ملوك الأرض بعد خليفة المسلمين. أما الأمير المصري الذي جاء بعده، في رحلة نظمتها شركة "توماس كوك"، وبتوصيات من السفير البريطاني والقائم بالأعمال الأميركي، فقد تحت له الأبواب المغلقة، غرضه أن يرى بعينيه كيف نهضت يابان "حقبة الميجي"، وفي رأسه معيار مقارنة هو سويسرا حيث درس في الماضي. لم ينبهر الأمير، مثل الشيخ. فحين زار حدائق القصر الإمبراطوري في طوكيو، لم تعجبه بما يكفي، حدائق القاهرة أجمل. فعَيب الرياض اليابانية -كما يدوِّن- هو أنها طبيعية، يتركونها تنمو مع بعض التشذيب، من دون اصطناع، فاليابان، في رأيه، أمّة مازالت في أول أطوار نهضتها، والجمال الحديث هو ما تصنعه أيادي البشر، لا ما تقدمه الطبيعة لنا جاهزاً.
 

a2ac9bef44.jpg

في الصباح التالي لوصولي طوكيو، أخبرتني "ناو" الصديقة اليابانية ذات التربية الأميركية بأني محظوظ، وصلت في اليوم المناسب تماماً بل والساعة المناسبة من الليل أيضا. كان الأمر صدفة بحتة وبلا ترتيب مسبق من جانبي، وفي الأغلب كان من سوء الحظ، لا العكس. نُصّب الإمبراطور الجديد في صباح اليوم نفسه. كانت البلاد قد دخلت في الحقبة الإمبراطورية الجديدة، باسم "ريوا"، في شهر إبريل، وأكملت المراسم العامة قبل وصولي بساعات، ولم أشاهدها. الاسم الذي اختارته لجنة حكومية للعهد، الذي بدأت تأتي علامته المكتوبة، اختير من مجموعة شعر "الواكا" الياباني الأشهر من القرن الثامن، والمعروفة باسم "باقة من عشرة آلاف ورقة شجر". وتحمل كلمة "ريوا" معنيَين، النظام أو القيادة، وكذلك الانسجام أو الوئام الجميل. ونحّت الحكومة المعني الأول، أي "النظام" بدلالاته السياسية المقلقة، وأكدت على أن الترجمة الرسمية يجب أن تقتصر على "النظام" كمرادفة للجمال.

d954a1e052.jpg

لاحقاً، فهمت سبب غبطة صديقتي بخصوص ساعة وصولي المتأخرة. فالفندق يبعد عشرين دقيقة فقط من القصر الإمبراطوري. أغلقت الشوارع في الحي بسبب الاحتفالات، والمواصلات تعطلت اليوم كله، وعادت للعمل فقط في المساء. كانت زيارة حدائق القصر محبطة، زحام كبير وقليل جداً من الجمال الطبيعي أو المصطنع. التسكع في نهاية النهار، من القصر إلى الفندق عبر حي "أوتيماشي" المالي كان التجربة الاستثنائية. في الساعة السادسة، كانت الظلمة قد حلّت، والأضواء المبهرة لنوافذ المباني الزجاجية والمعدنية الضخمة، ترسم لوحة مبهرة من الجلال والهيمنة. رمت بظلال خافتة عند سفوحها، حشود عشرات آلاف الموظفين ببزاتهم السوداء، رجالاً ونساء، وحركتهم المتناسقة والكاسحة متوسطة السرعة، بدت كمشهد من فيلم للخيال العلمي. كل شيء ظهر محسوباً بدقة، وبجماليات ما بعد حداثية لجنّة على حواف الديستوبيا، علاقات المباني بالأشجار التي زرعت داخلها وعبر شرفاتها وعلى أسطحها، وبجوارها على الأرصفة، واحة حضرية من الخضر الطبيعية والهياكل الحديدية المقاومة للزلازل، نسب الضوء ومقاديره، علاقات الفراغ والمساحات المكشوفة من السماء والممرات بين المباني، وتقاطعات الحركة على سطح الأرض مع المرور وخطوط الحركة تحتها، ثلاثة أو أربعة طبقات تحت الأرض باتساع الحي نفسه، تربط بين محطات قطارات الأنفاق وآلاف المطاعم والمقاهي والمحال التجارية. الهدوء المهيمن على هذا كله، مبهر ومروّع وأخاذ. 

في المساء، أخبرتُ "ناو" بأن مدينتها تعيش في المستقبل، فضحكت: "هذا حي أوماتشي فقط، بقية طوكيو تعيش في الحاضر". كنا في طريقنا إلى واحد من أكبر المزارات الشنتاوية في طوكيو، وفي الطريق تغيرت هيئة المدينة، أحياء بسيطة وجميلة في تواضع هادئ، ذكرني بعضها بالقاهرة قبل بضعة عقود. حين وصلنا، ألقت ناو عملة معدنية أمام المذبح، وصفقت بيديها لتنبه أرواح الأسلاف، وأحنت رأسها بصلاة قصيرة، وبعدها قالت لي: "في اليابان حين يولد طفل يحضره أهله هنا للبركة، وتعقد الزيجات في الكنيسة، أما الجنازات فغالباً في المعبد البوذي، ولدينا جوامع أيضاً لكني لا أعرف مكانها".


أخبار ذات صلة

0 تعليق