«إرث المغيب».. شعرية الإيجاز والمكابدات المرهفة

جريدة الاتحاد الاماراتية 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

إبراهيم الملا (الشارقة)

بعد إصدارها لمجموعتها الشعرية الأولى (أمنيات شائكة) في العام 2012، تقدم الشاعرة الإماراتية مها خالد في مجموعتها الجديدة (إرث المغيب) ما يمكن أن نسمّيه شعرية الإيجاز واللمح والإشارة، حيث الهدوء يمتحن صخباً غير معلن، وحيث الخفوت يصير وهجاً كتوماً، ومنتمياً لعزلته حدّ الانطفاء المضيء، وحدّ العتمة الشاخصة أمام حالات ووجوه وذاكرات تتسرّب من المعنى، وسرعان ما تعود إليه لتشكّل عالماً من التفاصيل الشهيّة المتماسة مع رغبة الشاعرة في الانفراد مع الضجر، وتوسّل الأرواح الغائبة كي تعيد لها الفراديس المفقودة للطفولة، وللمدن البعيدة المتماوجة على ضفاف النوستالجيا، بين بحر يضجّ بالأنين، وصحراء تختصر وجودها في حبة رمل. ومنذ قصيدتها الأولى في المجموعة بعنوان (صلاة التعب) يتناهى لنا هذا التوق الجارف لإكمال ما عجز الزمان والمكان على إكماله، فالصباح الواحد لا يكفي كي تزهر الأرض، وانشغالنا بالسماء لا يعني اشتياقنا للماء والندى، وهكذا تتشكل مفردات القصيدة الأولى كتوقير للنقصان، ومديح للاجتزاء، لأن الاكتمال هنا يعني القطع، ولأن في الخواتيم يكمن السأم.
تقول مها خالد في هذا الاستهلال المحتفي بالبتر والمحو:
«سمعنا بكاء الورود على الطاولات
ولم نفعل شيئاً
أغلقنا كل الأبواب المطلّة على النهر
كي لا تزهر الأرض
والتقينا برجل
يحمل حقيبة فارغة
ويشتكي التعب»
يتوسع الحقل الدلالي في هذا المقطع لخلق حالة ديناميكية تتعانق فيها الأضداد، وتنتقل فيها الأشياء المحايدة إلى الموضع الأكثر تماسّاً مع الحياة، رغم كل الخذلان والانكسار المحيطين بها، حياة تترقب الذبول والانجراف مع الحوافّ الأخيرة، ابتداءً من الورود المنتحبة فوق الطاولات ووصولاً لرجل يحمل حقيبة فارغة ويشتكي التعب، تتداخل الخسارات هنا من المبتدى إلى المنتهى، وتتوالى صنوف التنازلات حتى يصبح كل واضح مبهماً، وكل حاضر مشمولاً بالغياب.
في قصيدتها (أجنحة لمنازل مضيئة) تودّ الشاعرة لو تقيّد الدهر، وتفتح كل الشبابيك للموج، ولاعترافات لا تطويها الشياطين، وتأخذنا نحو متاهات أنيقة للاسترسال في مديات الذاكرة الضبابية، المقترنة بأشباح الطبيعة، عندما تتحول مفردات القرية، إلى سيولة بصرية يذوب فيها التعيين، ويصبح فيها كل شاهد مجهولاً، وكل ماثل هباء، تقول:
«كيف أنسى؟
بياضاً وخشوعاً ورحمة
كيف أنسى؟
شوقي لشجرة انحنت
كي يمرّ الهواء»
وفي هذا التبيان ما يدلّ على اشتياق لما يستحيل العودة إليه، إنها التفاصيل الثاوية في البصر والبصيرة، والتي لا يمكن لها أن تنهض مجدداً إلا على إيقاع الوجع، وعلى نداءات تتكسّر أصداؤها في الشجن.
وفي قصيدتها (رائحة الليل) نرى الملمح المكثف لهوى المجموعة الشعرية وتشظّياتها، حيث تلتمّ في هذه القصيدة متواليات الإشارة والعبارة، والكشف والاضمار، والبوح والإخفاء، وسط معمار شعري يتناوب فيه العلوّ والانهيار، والترقّي والهمود، والنزوع والنكوص، تقول في مستهلّ القصيدة:
«هو الليل
سرير ومكعبات من الهواء
وأعمدة تخفي كل شيء
يبدأ الليل
قبل أن ننام
وعندما تغيب الستائر
خلف الضوء
وعندما تقودنا الأشجار
نحو العتمة»
وتنهيها بالمقطع التالي:
«لا أغمض عيني
أنتظر الوسائد البيضاء
كي تجفّ
وأنتظر صوت الحصى
كي أتأكد
حان وقت الحلم»
تتكرر مفردة «الحلم» في جل قصائد المجموعة وكأنها الفتنة التي تنهشها الكوابيس، والطريدة الممنوحة دوماً للفزع، إنه الحلم المتضامن مع زواله وقلة حيلته أمام الهجمة الضارية لتفاصيل اليقظة، بكل ما تحمله هذه اليقظة من استعادات موصومة بالنفيّ، ومشهديات منذورة للتلاشي، تسميها الشاعرة: «المتاهات الساطعة» و«القلق التائه» وهي أحلام «معلّقة بوجل المسافات» و«ووهجها لا يشعر به إلاّ الشعراء القدامى».
تتصدّر المتاهة ما ترنو الشاعرة إلى توثيقه كحالة وكبرهان، وهي متاهة ساطعة تغشي بوصلة القلب، وتجعل من الاغتراب الوجودي قدراً ومصيراً، وقد يكون في الشعر ما يشبه السلوى والتغاضي عن مناكفات الأرق، ولذلك نرى في شعرها انتباهات مركّزة على الهوامش المفرحة كي يهرب منها الضجر، وتقطف الفراشة، كي تطير الورود، وهي وسط لعبة التناقضات هذه تمارس حِيَلها الصغيرة لتتجنب فوضى الحواسّ، وكي تقيم في النشوة رغم هشاشتها الظاهرة، فتكتب كلمة كي يتسع الفضاء، وتهرب لتزهر السماء، لأن البقاء أصبح بلغة أخرى غياباً تلقائياً.
يمكن قراءة مجموعة (إرث الغياب) من خارج حدود النص نفسه وصولاً إلى جوهره، فهي مجموعة تتمتع بتلك البساطة التي تجرح وتتسلل إلى الوجع ذاته كي تحنو عليه، تمنحنا الصور والاستدلالات هنا ما يمكن وصفة بشعرية الحدث الآني، والمكابدات المرهفة، حيث نرى في معظم قصائد المجموعة ذلك الانفتاح على ألفة ضارية، وشرارات داكنة، وانعتاق مكبّل بما لا يمكن تفسيره، ثمة خسارات متشظيّة، سرعان ما تلتئم كي تعيد ابتكار الدهشة، الدهشة المغرمة، المتدفقة نحو مجهولها الواضح، حيث الفراشات تصير ملائكة، والورود تتفجّر بألوانها الغرائبية، والجدران والستائر والغرف والممرات تتحول إلى متاهة لذيذة أمام العشق الثمل، المتجاوز لفكرة الاستحواذ، لأن لا شيء هنا يمكن الاستحواذ عليه، فهو مصنوع من مادة الحلم. ومن شواهد رملية مفتتة على جسد الصحراء. ومع انفتاح الصحراء على غابة الحلم يجب أن نكون حذرين جداً كي لا نصطدم بعزلة تربكنا وتنزعنا من براءة الرؤي ومن خيالاتنا الوادعة.
هي قصائد ضاجّة بالمكاشفة الضمنية، وبالسحرية الكامنة في تفاصيل قد لا يحتويها وعينا العابر والمؤقت تجاه مفردة الألم، عندما تصبح هذه المفردة تحديداً هي جحيم الشعر وجنّته في ذات الوقت.

أخبار ذات صلة

0 تعليق