يعيش الوسط الفني حالة من التباين الشديد في مخرجاته، فبينما تتسبب الخلافات الداخلية في نسف مجهودات فرق عمل كاملة في أروقة الدراما العربية، نجد على الجانب الآخر من العالم تجارب إنتاجية تنجح في تحويل المدن الهامشية إلى وجهات عالمية بفضل التناغم بين صناع المحتوى. هذا التناقض يظهر جلياً عند النظر إلى الأزمة الأخيرة التي عصفت بصناع المسلسل المصري “شقة 6″، مقارنة بالنجاح اللافت الذي حققته سلسلة السفر الأمريكية “Lost In” في أحدث حلقاتها.
أزمة تغيير النهاية وحقوق المؤلف
تصاعدت حدة التوتر في الوسط الفني المصري مؤخراً، لتتحول أزمة مسلسل الرعب “شقة 6″ إلى قضية رأي عام عبر المنصات الرقمية. القصة بدأت عندما فوجئ فريق الكتابة بتغيير جذري في الحلقة الأخيرة للمسلسل الذي تلعب بطولته الفنانة روبي، مما أدى إلى موجة غضب عارمة بين الجمهور الذي وصف النهاية بـ”الكرتونية” وغير المنطقية. السيناريست رفيق القاضي، أحد مؤلفي العمل، كشف عن كواليس ما وصفه بالتعدي الصارخ على حقوقهم الأدبية، مشيراً إلى ظهور اسم “دعاء حلمي” على تترات المسلسل تحت مسمى وظيفي غير مألوف في الصناعة المصرية وهو “دكتور سكريبت”.
التعديلات لم تقتصر على تحسينات طفيفة، بل طالت البنية الدرامية للعمل، حيث أوضح القاضي أن الفريق تغاضى في البداية عن بعض التغييرات غير المنطقية لضمان استمرار التصوير، إلا أن ما حدث في الحلقة الأخيرة دمر المنطق القصصي للمسلسل بالكامل، وهو ما دفع فريق الكتابة المكون من سعاد القاضي، محمود وحيد، ونبيل شعيب، للبدء في اتخاذ إجراءات قانونية وتصعيد الأمر إلى نقابة السينمائيين والنائب العام.
تراشق الاتهامات والموقف القانوني
الموقف ازداد تعقيداً مع خروج المخرج محمود كامل عن صمته عبر “فيسبوك”، مدافعاً عن قراراته بلهجة حادة، حيث اتهم فريق الكتابة الأصلي بتقديم أفكار جيدة ولكن بتنفيذ سيء، مبرراً استعانته بكتّاب آخرين لإنقاذ السيناريو. هذا التصريح اعتبره القاضي اعترافاً رسمياً بالتعدي على حقوقهم، خاصة وأن الشركة المنتجة كانت قد استلمت الحلقات ووافقت عليها مسبقاً، وتساءل المؤلفون باستنكار عن كيفية نسب عمل “رديء” لهم في النهاية بينما يُحرمون من حقهم في صياغة الخاتمة التي وافقت عليها الرقابة أصلاً.
الوجه الآخر للإنتاج.. ترويج سياحي ناجح
على النقيض تماماً من صراعات “الأنا” التي أفسدت ختام المسلسل المصري، قدمت السلسلة الوثائقية “Lost In” نموذجاً مبهراً للتعاون الفني الذي يخدم المجتمع. فبعد أشهر من الترقب، أطلقت السلسلة حلقتيها عن مدينتي “نيو بيدفورد” و”فول ريفر”، واللتين تم تصويرهما في أغسطس 2025. الحلقات التي يقدمها كريستيان ستيفنسون المعروف بـ “DJ BBQ”، لم تكن مجرد عرض تلفزيوني، بل تحولت إلى دليل سياحي حيوي يبرز جواهر الساحل الجنوبي الأمريكي المخفية.
العمل الذي تم إنتاجه بشراكة مع “Explore New Bedford”، يعرض الآن عبر يوتيوب ومنصات كبرى مثل “برايم فيديو” وتوبي، مسلطاً الضوء على الطاقة الإيجابية والتنوع الثقافي للمنطقة. أليسا بوتيلو، منسقة تنمية المجتمع في فيرهيفن، وصفت التجربة بأنها مفعمة بالحيوية والألوان، وتعكس الوجه الحقيقي للأشخاص والأماكن الرائعة في المنطقة.
كواليس احترافية وانعكاسات اقتصادية
ما يميز هذه التجربة هو الانطباع الذي تركه فريق الإنتاج لدى السكان المحليين وأصحاب الأعمال. راندي لافوا، رئيس الطهاة في مطعم “ذا بلاك ويل”، أعرب عن انبهاره بمستوى الاحترافية والدقة في التصوير، مشيراً إلى أن مشاركته في العمل منحته تقديراً جديداً للجهد المبذول خلف الكاميرا للحصول على اللقطة المثالية. الحلقة، التي امتدت لـ 22 دقيقة، نجحت في دمج لقطات الدرون الساحرة للميناء وقوارب الصيد التقليدية مع قصص المطاعم العائلية وأماكن الترفيه مثل “PLAY Arcade”.
التفاعل لم يتوقف عند المشاركين، بل امتد للعائلات والمشاهدين، حيث روى لافوا كيف شاهد العرض الأول مع ابنه، وكيف تحولت لحظة عفوية بينه وبين المذيع حول “حب سمك أبو سيف” إلى مشهد طريف تم اعتماده في النسخة النهائية. هذا النجاح يعكس كيف يمكن للإنتاج الفني، عندما يدار باحترافية وتناغم، أن يكون رافعة اقتصادية وسياحية، بعيداً عن صراعات تغيير النهايات وضياع الحقوق الأدبية.