من رمال مطروح إلى منصات بنسلفانيا.. حكاية الفطريات بين “ذهب الصحراء” والابتكار الزراعي

أسلوب الحياة

في مشهد يتكرر سنوياً مع اشتداد برد يناير، تدب الحياة في عمق الصحراء الغربية بمصر، وتحديداً على بعد خطوات من الحدود الليبية، حيث ينتشر مئات المواطنين في رحلة شاقة للبحث عن “الترفاس”، ذلك الكنز الفطري الذي يجود به باطن الأرض دون تدخل بشري. وبينما يعتمد هذا الرزق الصحراوي على كرم الطبيعة، يشهد الجانب الآخر من العالم احتفاءً مختلفاً بعالم الفطريات، حيث الابتكار والتطوير الزراعي هما سيد الموقف في المعارض الأمريكية الكبرى.

رحلة الشتاء والبحث عن “بنت الرعد”

على وقع درجات الحرارة المنخفضة، يرتدي أبناء محافظة مطروح أثقل ما لديهم من ثياب لمواجهة قسوة الطقس، مدفوعين بأمل العثور على نبات الترفاس الذي يصفونه بـ “مغنم أهل الصحراء”. يروي الشيخ عبد المعطي سنوسي، أحد وجهاء المنطقة، تفاصيل هذه الرحلة المحفوفة بالمشقة، مشيراً إلى أن موسم الحصاد يرتبط ارتباطاً وثيقاً بمعدلات هطول الأمطار في شهر سبتمبر؛ فإذا جادت السماء بالغيث، جادت الأرض بهذا الفطر النادر في يناير وفبراير.

تبدأ العملية بإجراءات رسمية وتصاريح أمنية من حرس الحدود، لتنطلق بعدها رحلات التخييم التي تمتد لثلاثة أيام في قلب الصحراء. الهدف هنا هو البحث عن نوعين رئيسيين: الأحمر، والأبيض المعروف محلياً بـ “الزبدة” أو “الزبادي”. اللافت في الأمر، بحسب السنوسي، أن الترفاس يستعصي على الزراعة التقليدية، فهو رزق يسوقه الله عبر تدابير طبيعية بحتة، مما يجعل أسعاره تقفز إلى مستويات عالية تصل إلى 400 جنيه للكيلوغرام، وسط إقبال لافت من الأشقاء في دول الخليج الذين يقدّرون قيمته ويدفعون فيه مبالغ مجزية.

كنز غذائي وأسرار علمية

بعيداً عن الموروث الشعبي، يضع العلم بصمته لتفسير هذه الظاهرة. الدكتور إسماعيل عبد الجليل، مؤسس بنك الجينات الوراثية النباتية في مصر، يوضح أن الترفاس، أو ما يعرف بـ “الكمأة” و”الفقع”، هو فطر بري ينمو بفضل التفاعلات المصاحبة للبرق والرعد، حيث تحفز الشحنات الكهربائية نموه في أعماق رملية تتراوح بين 5 و15 سنتيمتراً. ويشير عبد الجليل إلى القيمة الغذائية الاستثنائية لهذا الفطر، فهو غني بالبروتينات والمعادن كالبوتاسيوم والفسفور، وفيتامينات ب وج، مما يجعله شبيهاً باللحم في تكوينه وطعمه، لاسيما عند طهيه، وينصح الخبراء بضرورة طهيه جيداً وتجنب تناوله نيئاً لتفادي عسر الهضم، رغم المعتقدات الشائعة حول فوائده “النيئة” للصحة الجنسية.

تتعدد المكاسب الصحية لهذا النبات الصحراوي، إذ يسهم في تعزيز صحة العظام والأظافر، ويقاوم الهشاشة، فضلاً عن دوره الحيوي في تحسين البصر وعلاج أمراض العيون مثل “التراكوما” عند استخدامه بطرق طبية صحيحة. كما يلعب دوراً محورياً في تنقية الجسم من السموم وخفض الكوليسترول الضار، ناهيك عن فوائده في تأخير علامات الشيخوخة.

الوجه الآخر للصورة: الابتكار في بنسلفانيا

في الوقت الذي يعتمد فيه الحصاد في الصحراء العربية على العفوية الطبيعية، تتجلى في الولايات المتحدة الأمريكية صورة مغايرة تعتمد على التخطيط والتسويق الحديث. فقد شهد معرض المزارع في ولاية بنسلفانيا، وهو أحد أبرز الفعاليات الزراعية في البلاد، مشاركة لافتة لشركة “جورجيو فريش” التي استعرضت أحدث ابتكاراتها في عالم الفطر. المعرض الذي يجمع سنوياً نخبة من الطهاة وقادة الصناعة، خصص يوماً للخضراوات تم خلاله تسليط الضوء على المنتجات الزراعية المتميزة في منطقة فيلادلفيا.

وخلال الحدث، نظمت الشركة عروض طهي حية قدمها ديفيد سانتوتشي وكريمته هيذر، لإبراز تنوع استخدامات الفطر في المطبخ الحديث، مع التركيز على المنتجات ذات القيمة المضافة. وقد تكللت جهود الشركة بحصول منتجها “عبوات الشواء” (Grill Packs) على جائزة “جو نوتشي” لابتكار المنتجات لعام 2025، وهو تكريم يعكس التزام العلامة التجارية بتلبية تطلعات المستهلكين عبر حلول ذكية وعملية.

دمج الخبرات وتعزيز التواصل

لم يقتصر الحدث على العرض التجاري فحسب، بل شهد مشاركة الشيف الأمريكي الشهير برايان فولتاجيو، الذي قدم أطباقاً مبتكرة تعتمد على فطر “جورجيو فريش”، ملهماً الحضور بإمكانيات دمج الفطر في مختلف الأنماط الغذائية المنزلية. وتعليقاً على هذه المشاركة، أكدت نبا بكر، نائب الرئيس للتسويق في “جولدن صن إنسايتس”، أن التواجد في معرض بنسلفانيا يمثل فرصة مثالية لربط العلامات التجارية المحلية بالمستهلكين مباشرة، واستعراض التنوع الكبير في المنتجات تحت سقف واحد.

هكذا، تتباين المشاهد بين مطروح وبنسلفانيا، لكن الجوهر يظل واحداً؛ فالإنسان، سواء كان بدوياً يقتفي أثر الرعد في الصحراء، أو مزارعاً يعتمد أحدث التقنيات في أمريكا، يظل في سعي دائم لاستخراج كنوز الأرض وتسخيرها لخدمة غذائه وصحته، في قصة ممتدة تجمع بين أصالة التراث وعبقرية الابتكار.