شهدت الأسواق المالية العالمية تحولات دراماتيكية مع صعود مؤشر الدولار إلى أعلى مستوى له في شهر، مدفوعاً ببيانات التوظيف الأمريكية المختلطة وتصريحات مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي التي قلصت التوقعات بشأن خفض وشيك لأسعار الفائدة. وتزامنت هذه القوة العالمية للعملة الخضراء مع مشهد اقتصادي مضطرب في العراق، حيث أثار حراك نيابي لتعديل سعر الصرف موجة من المضاربات والمخاوف في الأسواق المحلية، مما خلق حالة من عدم اليقين أربكت الحركة التجارية في بغداد.
البيانات الأمريكية تعزز سطوة الدولار
على الصعيد الدولي، أنهى مؤشر الدولار تداولاته مرتفعاً بنسبة 0.20%، مدعوماً ببيانات أظهرت ارتفاعاً في متوسط الأجر في الساعة بالولايات المتحدة بأكثر من المتوقع، رغم أن الوظائف المضافة جاءت دون التقديرات، حيث سجلت الوظائف غير الزراعية لشهر ديسمبر زيادة قدرها 50 ألف وظيفة فقط مقارنة بتوقعات بلغت 70 ألفاً، مع انخفاض معدل البطالة بشكل طفيف إلى 4.4%.
وقد عززت هذه البيانات، إلى جانب ارتفاع مؤشر ثقة المستهلك بجامعة ميشيغان لشهر يناير إلى 54.0 نقطة، من موقف “الصقور” داخل الفيدرالي الأمريكي. وفي هذا السياق، جاءت تصريحات رافائيل بوستيك، رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في أتلانتا، لتؤكد أن التضخم لا يزال مرتفعاً للغاية، مما قلص احتمالات خفض الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس في اجتماع اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة أواخر يناير، حيث باتت الأسواق تسعر هذه الاحتمالية بنسبة ضئيلة جداً لا تتجاوز 5%.
تداعيات سياسية واقتصادية عالمية
لم يتوقف الدعم الذي تلقاه الدولار عند البيانات الاقتصادية فحسب، بل امتد ليشمل الترقب السياسي لقرارات المحكمة العليا بشأن الرسوم الجمركية للرئيس ترامب، والمخاوف المتعلقة بتعيين رئيس جديد للاحتياطي الفيدرالي في أوائل عام 2026، وسط تكهنات باختيار كيفن هاسيت، الذي تنظر إليه الأسواق كمرشح يميل للتيسير النقدي.
وقد ألقت هذه القوة بظلالها على العملات الرئيسية الأخرى؛ إذ تراجع اليورو إلى أدنى مستوى له في شهر، متأثراً بقوة الدولار رغم البيانات الإيجابية لمبيعات التجزئة في منطقة اليورو والإنتاج الصناعي الألماني. كما هوى الين الياباني إلى أدنى مستوياته في عام، وسط تقارير تفيد بأن بنك اليابان سيبقي أسعار الفائدة دون تغيير، وبالتزامن مع التوترات السياسية في طوكيو وتصاعد الخلافات التجارية مع الصين.
المشهد العراقي: جدل سياسي ومخاطر اقتصادية
في خضم هذا المشهد العالمي المعقد، يعيش الاقتصاد العراقي حالة من الترقب والحذر، إذ برزت مؤخراً دعوات من نحو 40 نائباً عراقياً لتعديل سعر صرف الدينار مقابل الدولار، في محاولة للعودة به إلى مستوياته السابقة قبل عام 2020، حينما عدلت وزارة المالية السعر من 1200 إلى 1450 ديناراً للدولار لمواجهة تراجع إيرادات النفط.
وقد أحدثت هذه الأنباء “نوبة خوف” في الأسواق المحلية، حيث انخفض سعر صرف الدولار في السوق الموازي بشكل سريع ومفاجئ إلى ما دون 1450 ديناراً بعد أن كان مستقراً عند 1480، مدفوعاً بشائعات ومضاربات وصفها المستشار الاقتصادي لرئيس الوزراء، مظهر محمد صالح، بـ”معلومات السوق الملونة”. وأكد صالح أن هذا الانخفاض ناتج عن هلع حائزي النقد الأجنبي ورغبة بعض كبار التجار في شراء الدولار بأسعار منخفضة لتحقيق مكاسب سريعة، مشيراً إلى أن هذه المعلومات “غير نقية” وتندرج ضمن المضاربات الضارة.
تحذيرات الخبراء وتأثيرات السوق
على أرض الواقع، بدت الأجواء في سوق الشورجة التجاري وسط بغداد شديدة الارتباك، حيث أوقف العديد من التجار عمليات الاستيراد تحسباً لأي تغيير رسمي قد يكبدّهم خسائر فادحة، بينما شهدت المصارف إقبالاً من المواطنين لبيع مدخراتهم الدولارية خوفاً من استمرار الانخفاض.
وفي هذا الصدد، حذرت الخبيرة الاقتصادية سلام سميسم من خطورة اتخاذ قرارات متسرعة بتغيير سعر الصرف، مؤكدة أن الأمر ليس بالهين، وأن أي تعديل غير مدروس قد يكلف الخزينة العراقية خسائر تقدر بنحو 52 تريليون دينار (ما يعادل أكثر من 35 مليار دولار)، خاصة في ظل الالتزامات الدولية للعراق. وأشارت إلى أن ما يجري حالياً هو “تهويل إعلامي” يفتقر إلى الأسس الاقتصادية العلمية، في حين تباينت آراء النواب بين من يرى ضرورة التعديل لدعم الطبقات الفقيرة، وبين من يحذر من المخاطر المالية لهذه الخطوة، وسط اتهامات لبعض الكتل السياسية بالسعي لتحقيق مكاسب مالية عبر شركاتها الخاصة من خلال الضغط لتغيير السعر.
يبقى المشهد الاقتصادي، سواء في الأسواق العالمية التي تترقب تحركات الفيدرالي الأمريكي، أو في السوق العراقية العالقة بين السياسة والاقتصاد، مرهوناً بمدى قدرة صناع القرار على الموازنة بين المؤشرات المالية الواقعية والضغوط السياسية المتزايدة.