بين أوهام الأرقام وواقع الأزمات الديموغرافية.. مشهد عالمي متباين في 2026

أخبار عالمية

في الوقت الذي يواجه فيه العالم تحديات ديموغرافية حقيقية ومتشعبة، تطفو على السطح بين الحين والآخر تقارير مضللة تشعل الجدل عبر منصات التواصل الاجتماعي، كان أبرزها مؤخراً ما تداولته صحيفة “ديلي إندبندنت” النيجيرية. الصحيفة، التي تصنف نفسها كمنبر للنخبة السياسية ورجال الأعمال، نشرت تقريراً يزعم وجود خلل هائل في التوازن بين الجنسين على مستوى العالم، مدعية أن كوكب الأرض يضم 2.2 مليار رجل فقط مقابل 5.6 مليار امرأة. واستند التقرير المثير للجدل إلى ما أسماه “تقرير التوقعات السكانية العالمية للربع الأول من عام 2019” المنسوب للأمم المتحدة، زاعماً أن مليار شخص متزوجون، بينما يقبع 130 مليوناً في السجون، ويعاني 70 مليوناً من أمراض عقلية.

حقيقة الأرقام الأممية

لم تتأخر شعبة السكان بالأمم المتحدة في تفنيد هذه المزاعم، مؤكدة في تصريحات لوكالة “فرانس برس” أن هذه البيانات عارية عن الصحة تماماً. وأوضحت المنظمة الدولية أن الفارق بين الجنسين ضئيل جداً ولا يكاد يذكر، حيث تشير أحدث التوقعات الموثقة إلى وجود 3.89 مليار ذكر مقابل 3.82 مليار أنثى، مما ينسف نظرية “الندرة الذكورية” التي روجت لها الصحيفة النيجيرية. ومن الجدير بالذكر أن المقال المضلل، الذي حصد آلاف المشاركات، كان قد نُشر في وقت لم تكن فيه التوقعات السكانية لعام 2019 قد صدرت رسمياً بعد. ويأتي هذا اللغط تزامناً مع احتفال العالم سنوياً باليوم العالمي للسكان في 11 يوليو، وهو التاريخ الذي يخلد ذكرى وصول عدد سكان الأرض إلى 5 مليارات نسمة عام 1987.

فنزويلا.. نزوح جماعي وترقب سياسي

بعيداً عن فوضى الأرقام المغلوطة، يشهد النصف الغربي من الكرة الأرضية أزمة ديموغرافية من نوع آخر، تتمثل في واحدة من أضخم موجات النزوح في التاريخ الحديث. فمع مطلع عام 2026، تجاوز عدد الفنزويليين الذين يعيشون خارج بلادهم حاجز الـ 7.9 مليون نسمة، وهو ما يعادل ربع السكان تقريباً، مدفوعين بعقد كامل من الأزمات السياسية والاقتصادية الطاحنة. وقد دخلت الأزمة منعطفاً حرجاً عقب حادثة اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو من قبل الولايات المتحدة في الثالث من يناير الماضي، مما دفع دول الجوار، وعلى رأسها كولومبيا وبيرو، إلى إطلاق تحذيرات من تدفقات جديدة للاجئين في حال تزعزع استقرار البلاد أكثر.

تعود جذور هذه الهجرة إلى التحولات الجذرية التي شهدتها فنزويلا، بدءاً من حقبة الرئيس الراحل هوغو تشافيز الذي وصل للسلطة عام 1999 وسط وعود بإنصاف الفقراء والسكان الأصليين، مستفيداً من عائدات النفط الهائلة لانتشال الملايين من الفقر المدقع. لكن المشهد تغير دراماتيكياً بعد وفاة تشافيز عام 2013 وصعود مادورو، حيث ورث الأخير ديوناً ثقيلة تزامنت مع انهيار أسعار النفط عام 2014، لتدخل الدولة الغنية بالموارد في نفق مظلم من التضخم المفرط والكساد، مما جعل الحياة شبه مستحيلة ودفع الملايين للمغادرة. وتتصدر كولومبيا قائمة الدول المستضيفة بـ 2.8 مليون فنزويلي، تليها بيرو بـ 1.7 مليون، ثم الولايات المتحدة والبرازيل وأسبانيا، وفقاً لبيانات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.

اليابان.. شيخوخة المجتمع وآمال الشباب

على النقيض تماماً من الانفجار السكاني وحركة النزوح في أمريكا اللاتينية، تواجه اليابان في أقصى الشرق معضلة انكماش سكاني غير مسبوق. فقد أحيا الشباب الياباني يوم الاثنين “يوم بلوغ سن الرشد” وسط مشاعر متباينة، حيث كشفت البيانات الحكومية عن وصول 1.09 مليون شخص فقط إلى سن البلوغ (560 ألف ذكر و530 ألف أنثى) بحلول الأول من يناير، وهو ثاني أدنى رقم مسجل في تاريخ البلاد بعد الانخفاض الحاد الذي شهده عام 2024. وتشكل هذه الأرقام تراجعاً مخيفاً مقارنة بعام 1970، حين بلغ عدد البالغين الجدد ذروته عند 2.46 مليون نسمة خلال طفرة ما بعد الحرب.

ورغم قتامة المشهد الديموغرافي واستمرار شيخوخة المجتمع، رصدت استطلاعات الرأي روحاً تفاؤلية مفاجئة بين الشباب الياباني. فقد أظهر استطلاع أجرته مؤسسة “ماكروميل” في ديسمبر الماضي أن 56.6% من الشباب المؤهلين لمراسم بلوغ سن الرشد لديهم آمال كبيرة في المشهد السياسي الياباني، وهي نسبة تزيد بـ 2.7 مرة عن العام السابق، حيث عبر 45% منهم عن ثقتهم بمستقبل مشرق لليابان، معلقين آمالهم على إدارة رئيسة الوزراء سناء تاكايتشي.

وفي طوكيو، عبرت ريمي كانيكو، إحدى الشابات المحتفلات، عن تفاؤل حذر قائلة: “أعتقد أن اليابان ستنمو من حيث المساواة بين الجنسين والتوازن بين العمل والحياة”، مشيرة إلى أن هذه التحولات تمنحها أملاً بمستقبلها الشخصي. لكن هذا التفاؤل لا يلغي القلق المتزايد من الضغوط الاقتصادية والتوترات الجيوسياسية العالمية. وتلخص أيومي ماتسوي، الطالبة الجامعية في يوكوهاما، هذه المخاوف بتساؤلها عما إذا كانت ستتمكن من تحقيق دخل يكفي لاستقلالها المادي، في ظل عدم اليقين الذي يحيط بالاقتصاد العالمي والحروب الراهنة، وهو ما يجعل التخطيط للمستقبل تحدياً صعباً لهذا الجيل الصاعد.